ناصح أمين
10-08-2009, 08:41 PM
إبداع القلم
كنت قد دونت موضوعا بعنوان " موضوع متجدد .. شكر و تقدير و تساؤل واحد" .. و كان من ضمن المشاركات مشاركة لأخي الفاضل/ الفاهم .. وضع فيها مجموعة من الأسئلة مدارها : كيف يبري المرء قلمه ؟؟؟ فيكون هذا القلم رشيقا ماتعا.
و هو سؤال جد مهم .. و كان الأولى أن يسأل عنه غيري ممن يحترف الكتابة .. فأنا لست كاتبا في الأصل .. . ولا أدعي أنّي قد نلت هذا الشرف .. فليست الكتابة مهنتي التي أتحصل بها قوت عيشي .. و لكنها فكرة هنا و مقالة هناك .. أحاول جهدي أن أفرغ في مقالاتي كل ما أعطاني الله من مهارة في الكتابة .. و أراجع مقالاتي بين حين و آخر .. أصحح كلماتها و أنقح عباراتها .. و لكنّ أخي/ الفاهم أحسن الظن بي .. فطلب منى أن أكتب في كيفية الوصول إلى حسن الكتابة و جمال العبارة و قوة المنطق.
و ها أنا ذا أبدأ مقالاتي في حسن الكتابة بهذه المقالة
" إبداع القلم "
القلم .. عظم مكانة و ارتفع قدرا ، أقسم به المولى – عز و جل - ، فقال – عز من قائل- :" ن ، و القلم و ما يسطرون ".. و تغنى الشعراء بجمال رونقه ، فساووه بالسيف منزلة ، و تسابق الأدباء في وصفه ، و في ذكر عجائبه ، فهو عندهم يشرب ظلمة و ينفث نورا.
يقول أبو حفص بن برد الأندلسي :" ما أعجب شأن القلم ، يشرب ظلمة ، و يلفظ نورا ، قد يكون قلم الكاتب أمضى من شباة المحارب ، القلم سهم ينقذ المقاتل ، و شفرة تطيح بها المفاصل".
و قال ابن الرومي:
إن يخدم القلم ( بالفتح ) السيف ( بالضم ) الذي خضعت
له الرقاب و دانت خوفه الأمم
فالموت – و الموت لا شيء يغلبه –
ما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فلماذا كان لهذا القلم تلك المكانة العالية ، و متى و كيف يكون القلم مبدعا ؟؟؟
إن إبداع القلم يكون في رصانة المعاني و قوة الأفكار التي يناقشها .. و في جمال المباني و التراكيب التي يستخدمها .. فهذان هما أصول الإبداع .. لا يقوم الإبداع و التميز إلا عليهما .. فإن فقد ( بضم الفاء وكسر القاف ) أحدهما فقد ( بفتح الفاء و القاف ) القلم هيبته و احترامه أو فقد رونقه و جماله .. و صار المكتوب كالوردة الزكية الرائحة الجميلة المنظر نبتت في أرض النجاسات .. أو كالسيف الصارم الحد و قد غزاه الصدأ و وضع في غمد مهتريء مهلهل.
مرة أخرى ، إبداع القلم يكون في :
1- المعنى و رصانته
2- و المبنى و جماله
أما رصانة المعنى المراد الحديث عنه .. فينبع من موافقته مع مسلمات الشريعة .. فهو لا يخرج عن تعاليمها السمحة و معانيها الراقية و أهدافها السامية .. فنحن أمة مسلمة لنا منهجنا و لنا تعاليمنا التي نعتز بها .. و الخروج عن هذه التعاليم ضرب من الرجعية التي لا نريدها لأمتنا المسلمة .. فما فائدة كلمات و عبارات كأنها اللآلئ و الجواهر في جمالها و بهائها .. في وصف امرأة حسناء أو غانية لعوب .. كلمات و عبارات امتزجت بماء الذهب المغشوش .. و كملت في الوصف حتى و كأن القاريء ينظر إلى المشهد نظر العيان .. و تفننت في ذكر التفاصيل و الدقائق حتى و كأن الموصوف تتلمسه يد الإنسان .. تأخذ بلب القاريء فيهيم في أودية الخيالات .. و يغرق في بحر من الأوهام .. و كل ذلك في وصف شيطان على شكل إنسان .. لتحريك الغرائز و تأجيج نار الشهوات.
ما فائدة هذا القلم المعجز البيان و هو يصف ما لا يجوز وصفه .. و يتكلم فيما لا طائل من الخوض فيه .. بل إن الخوض فيه – في بعض الأحيان – يصيب المرء في مقتله.
حق لهذا القلم أن يحجر عليه .. و أن يوضع في طي النسيان .. لأن ضرره أكثر من فوائده .. و جمال أسلوبه و حسن هندامه لا يشفع له في الحرية و الحركة .. فهو يضيف إلى الفساد فسادا و ينشر مع الأمراض أمراضا .. وهذا القلم هو وسيلة أولئك اللاهثين وراء الغرب و الراكضين خلف السراب.
أما جمال المبنى فيكون بحسن استخدام الحروف و الكلمات .. و الجمل و العبارات .. فإنّ الحروف و الكلمات تقوم مقام الألوان و الخطوط في فن الرسم .. فكما تأسرنا اللوحة الفنية الجميلة بألوانها و خطوطها .. فكذلك تأسرنا المقالة الجميلة بكلماتها و حروفها .. و العلاقة بين فن الرسم و فن الكتابة علاقة وطيدة .. فالكاتب يخط بكلماته لوحة يتأملها القاريء .. كما أن الرسام يصنع من ألوانه و خطوطه لوحة يتأملها محبي الرسم .. و كل من الكاتب و الرسام يعبر عما في داخله أحسن تعبير .. فالأول بكلماته و الثاني بخطوطه و ألوانه.
و كما أن فن الرسم يحتاج إلى تدريب و تعليم و ممارسة .. حتى يصل الرسام بلوحاته إلى مرحلة التميز و الإبداع .. فإن فن الكتابة أيضا يحتاج إلى تدريب و تعليم و ممارسة .. حتى يصل الكاتب بمقالاته إلى مرحة التميز و الإبداع.
و كل من الإثنين يحتاج إلى الصبر و المصابرة حتى يصل إلى هدفه .. و يدخل إلى عالم التميز و الإبداع.
هذان هما الأساسان و الركيزتان اللتان يقومان عليها القلم المبدع : المعنى الرصين و المبنى الرشيق الجميل .. و لكن السؤال المهم هو
فكيف للكاتب أن يصل إلى المعنى الرصين و المبنى الجميل ؟؟؟
و هذا ما سأحاول مناقشته في مقالاتي القادمة !!!
علما بأنني – كما ذكرت في المقدمة - لست كاتبا محترفا.. و لذا فإن ما سأكتبه عن كيفية الوصول إلى حسن الكتابة إنما هو نتاج تجارب متفرقة و ليس ثمرة دراسة متأنية .. و هي معالم – أظنها – مفيدة للكاتب حتى يصل إلى مبتغاه.
فلعل للكلام بقية !!!
و شكرا لأخي الحبيب الفاضل/ الفاهم على طرحه ذلك السؤال الذي دفعني لهذه الكتابة.
كتبه/ ناصح أمين
الخميس 19/10/1430 هـ
كنت قد دونت موضوعا بعنوان " موضوع متجدد .. شكر و تقدير و تساؤل واحد" .. و كان من ضمن المشاركات مشاركة لأخي الفاضل/ الفاهم .. وضع فيها مجموعة من الأسئلة مدارها : كيف يبري المرء قلمه ؟؟؟ فيكون هذا القلم رشيقا ماتعا.
و هو سؤال جد مهم .. و كان الأولى أن يسأل عنه غيري ممن يحترف الكتابة .. فأنا لست كاتبا في الأصل .. . ولا أدعي أنّي قد نلت هذا الشرف .. فليست الكتابة مهنتي التي أتحصل بها قوت عيشي .. و لكنها فكرة هنا و مقالة هناك .. أحاول جهدي أن أفرغ في مقالاتي كل ما أعطاني الله من مهارة في الكتابة .. و أراجع مقالاتي بين حين و آخر .. أصحح كلماتها و أنقح عباراتها .. و لكنّ أخي/ الفاهم أحسن الظن بي .. فطلب منى أن أكتب في كيفية الوصول إلى حسن الكتابة و جمال العبارة و قوة المنطق.
و ها أنا ذا أبدأ مقالاتي في حسن الكتابة بهذه المقالة
" إبداع القلم "
القلم .. عظم مكانة و ارتفع قدرا ، أقسم به المولى – عز و جل - ، فقال – عز من قائل- :" ن ، و القلم و ما يسطرون ".. و تغنى الشعراء بجمال رونقه ، فساووه بالسيف منزلة ، و تسابق الأدباء في وصفه ، و في ذكر عجائبه ، فهو عندهم يشرب ظلمة و ينفث نورا.
يقول أبو حفص بن برد الأندلسي :" ما أعجب شأن القلم ، يشرب ظلمة ، و يلفظ نورا ، قد يكون قلم الكاتب أمضى من شباة المحارب ، القلم سهم ينقذ المقاتل ، و شفرة تطيح بها المفاصل".
و قال ابن الرومي:
إن يخدم القلم ( بالفتح ) السيف ( بالضم ) الذي خضعت
له الرقاب و دانت خوفه الأمم
فالموت – و الموت لا شيء يغلبه –
ما زال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضى الله للأقلام مذ بريت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم
فلماذا كان لهذا القلم تلك المكانة العالية ، و متى و كيف يكون القلم مبدعا ؟؟؟
إن إبداع القلم يكون في رصانة المعاني و قوة الأفكار التي يناقشها .. و في جمال المباني و التراكيب التي يستخدمها .. فهذان هما أصول الإبداع .. لا يقوم الإبداع و التميز إلا عليهما .. فإن فقد ( بضم الفاء وكسر القاف ) أحدهما فقد ( بفتح الفاء و القاف ) القلم هيبته و احترامه أو فقد رونقه و جماله .. و صار المكتوب كالوردة الزكية الرائحة الجميلة المنظر نبتت في أرض النجاسات .. أو كالسيف الصارم الحد و قد غزاه الصدأ و وضع في غمد مهتريء مهلهل.
مرة أخرى ، إبداع القلم يكون في :
1- المعنى و رصانته
2- و المبنى و جماله
أما رصانة المعنى المراد الحديث عنه .. فينبع من موافقته مع مسلمات الشريعة .. فهو لا يخرج عن تعاليمها السمحة و معانيها الراقية و أهدافها السامية .. فنحن أمة مسلمة لنا منهجنا و لنا تعاليمنا التي نعتز بها .. و الخروج عن هذه التعاليم ضرب من الرجعية التي لا نريدها لأمتنا المسلمة .. فما فائدة كلمات و عبارات كأنها اللآلئ و الجواهر في جمالها و بهائها .. في وصف امرأة حسناء أو غانية لعوب .. كلمات و عبارات امتزجت بماء الذهب المغشوش .. و كملت في الوصف حتى و كأن القاريء ينظر إلى المشهد نظر العيان .. و تفننت في ذكر التفاصيل و الدقائق حتى و كأن الموصوف تتلمسه يد الإنسان .. تأخذ بلب القاريء فيهيم في أودية الخيالات .. و يغرق في بحر من الأوهام .. و كل ذلك في وصف شيطان على شكل إنسان .. لتحريك الغرائز و تأجيج نار الشهوات.
ما فائدة هذا القلم المعجز البيان و هو يصف ما لا يجوز وصفه .. و يتكلم فيما لا طائل من الخوض فيه .. بل إن الخوض فيه – في بعض الأحيان – يصيب المرء في مقتله.
حق لهذا القلم أن يحجر عليه .. و أن يوضع في طي النسيان .. لأن ضرره أكثر من فوائده .. و جمال أسلوبه و حسن هندامه لا يشفع له في الحرية و الحركة .. فهو يضيف إلى الفساد فسادا و ينشر مع الأمراض أمراضا .. وهذا القلم هو وسيلة أولئك اللاهثين وراء الغرب و الراكضين خلف السراب.
أما جمال المبنى فيكون بحسن استخدام الحروف و الكلمات .. و الجمل و العبارات .. فإنّ الحروف و الكلمات تقوم مقام الألوان و الخطوط في فن الرسم .. فكما تأسرنا اللوحة الفنية الجميلة بألوانها و خطوطها .. فكذلك تأسرنا المقالة الجميلة بكلماتها و حروفها .. و العلاقة بين فن الرسم و فن الكتابة علاقة وطيدة .. فالكاتب يخط بكلماته لوحة يتأملها القاريء .. كما أن الرسام يصنع من ألوانه و خطوطه لوحة يتأملها محبي الرسم .. و كل من الكاتب و الرسام يعبر عما في داخله أحسن تعبير .. فالأول بكلماته و الثاني بخطوطه و ألوانه.
و كما أن فن الرسم يحتاج إلى تدريب و تعليم و ممارسة .. حتى يصل الرسام بلوحاته إلى مرحلة التميز و الإبداع .. فإن فن الكتابة أيضا يحتاج إلى تدريب و تعليم و ممارسة .. حتى يصل الكاتب بمقالاته إلى مرحة التميز و الإبداع.
و كل من الإثنين يحتاج إلى الصبر و المصابرة حتى يصل إلى هدفه .. و يدخل إلى عالم التميز و الإبداع.
هذان هما الأساسان و الركيزتان اللتان يقومان عليها القلم المبدع : المعنى الرصين و المبنى الرشيق الجميل .. و لكن السؤال المهم هو
فكيف للكاتب أن يصل إلى المعنى الرصين و المبنى الجميل ؟؟؟
و هذا ما سأحاول مناقشته في مقالاتي القادمة !!!
علما بأنني – كما ذكرت في المقدمة - لست كاتبا محترفا.. و لذا فإن ما سأكتبه عن كيفية الوصول إلى حسن الكتابة إنما هو نتاج تجارب متفرقة و ليس ثمرة دراسة متأنية .. و هي معالم – أظنها – مفيدة للكاتب حتى يصل إلى مبتغاه.
فلعل للكلام بقية !!!
و شكرا لأخي الحبيب الفاضل/ الفاهم على طرحه ذلك السؤال الذي دفعني لهذه الكتابة.
كتبه/ ناصح أمين
الخميس 19/10/1430 هـ