المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مع الرعيل الأول ... عبر و عظات 1


أبو عبدالله
08-21-2008, 04:55 PM
التاريخ الإنساني مليء بالعبر و العظات، و الدروس و الفوائد ... و لكن لمن يتأمله

عن كثب، و يقف على صفحاته وقفة الباحث عن جواهره، المنقب عن لآلئه.


و التاريخ الإسلامي جزء عظيم من تاريخ هذه البشرية، جزء مهم لنا نحن المسلمين،

لا بد لنا من دراسته و الوقوف على سننه و البحث عن عبره و عظاته.


إن الأمة الإسلامية مرت بعصور ازدهرت فيها حضارتها، و انتشرت فيها مبادؤها،

و أشرقت فيها شمس قيمها، و مرت بعصور أخرى تراكمت عليها سحب الحضارات الأخرى

فزوت حضارتها، و خف ضوء شمسها، و انحسرت مبادؤها.


و لم تكن الأمة الإسلامية لتتقلب بين الانحسار و الإزدهار، و الإشراق و الخفوت إلا لسنن تبعتها و لأمور التزمتها،

فالقوة و الغلبة و الانتصار و التمكين أحوال لا تأتي من فراغ، و لا تنشؤها المصادفة، بل هي مقتضيات لأسباب،

و نتائج لمقدمات، و كذلك الضعف و المهانة و الذلة و الهوان لا تهجم على الأمة مصادفة، و لا تكوي نارها

المجتمعات عنوة، إنما هي ثمار غرس هذه المجتمعات، و نتائج حتمية لمقدمات صنعتها هذه المجتمعات بأيديها.

و أمتنا الإسلامية اليوم، وهي تمر بمرحلة الضياع، وتعيش هذا المنخفض الحضاري في كل مجالات

الحياة الإقتصادية و الاجتماعية و السياسية ... الخ، لا بد لها من أن تقلب صفحات تاريخها و تعود إلى ماضيها ...

لا لتجتر الماضي و تبكي على زمن كانت فيه حادية الركب و قائدة المسير و ربان السفينة،

بل لا بد لها أن تقلب صفحات الماضي لتتعرف على أسرار القوة و مواطن الضعف و لتصحح أوضاعها

بالالتزام الكامل بمسببات الريادة و القيادة، و البعد الكامل عن أسباب الضعف و الهوان.



و من أهم الفترات المضيئة في حياة أمتنا الأسلامية و التي ينبغي علينا نحن المسلمون أن نتدارسها

و نضعها على طاولة البحث، أملا في معرفة مواطن القوة و أسباب الضعف، تلك الغترة التي شهدت ولادة

ذلك الجيل الرباني الفريد .. الجيل المتميز ... جيل الصحابة –رضوان الله عليهم أجمعين-، فلقد كانت تلك الفترة

عجيبة من عجائب القدر التي لا تتكرر، و لقد كانت تلك الفترة انقلاب في تاريخ البشرية جمعاء،

لقد شهدت تلك الفترة ولادة جيل فرآني فريد غير وجه الأرض، و أخرج الناس من الظلمات إلى النور،

و حطم أصنام الأفكار و المعتقدات الباطلة قبل أن يحطم الأصنام الحجرية القائمة على أرض شبه الجزيرة العربية.


لقد أنشأ ذلك الرعيل الأول-رضوان الله عليهم-مجتمعا ربانيا قرآنيا فريدا مميزا ...

بلغ ما يشبه المعجزة في الكمال الإنساني و في كل مناحي الحياة الإنسانية.


بلغ ذلك الجيل القمة في العلم و العبادة ... و في الأخلاق و السلوك ... وفي الإدارة و التنظيم ...

وفي حبه للشهادة والاستشهاد ... كما بلغ القمة في حسن تعامله مع أعدائه ....

و في الوقت ذاته بلغ القمة في نصرته للمظلومين و قيامه بكل ما تقتضيه حقوق الأخوة الإسلامية.


لقد بلغ ذلك الجيل القمة في كل مجالات الحياة الإنسانية، وصدق فيهم قول الشاعر:


شباب لم تحطمه الليالي@@@و لم يسلم إلى الخصم العرين

شباب ذللوا سبل المعالي@@@و ما عرفوا سوى الإسلام دينا

إذا جن المساء فلا تراهم@@@من الاشفاق إلا ساجدينا



لقد بلغ ذلك الرعيل الأول مرتقى صعبا و قمة شامخة دونها خرق القتاد في حبه للجهاد و الاستشهاد.

ففي غزوة بدر الكبرى استشار الرسول – صلى الله عليه وسلم- الناس فقام المقداد بن عمرو فقال:

" يا رسول الله، أمض لما أراك الله فنحن معك، و الله لا نقول كما قالت بنوا اسرائيل لموسى:

" اذهب أنت و ربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، و لكن إذهب أنت و ربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون،

فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد، لجالدنا معك دونه حتى تبلغه".

ثم قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-." أشيروا علي أيها الناس"، و إنما يريد الأنصار،

فقال سعد بن معاذ –رضي الله عنه-:" و الله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال:" أجل"

فقال سعد بن معاذ –رضي الله عنه-:" فقد آمنا بك و صدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق،

و أعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع و الطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك،

فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، و ما نكره

أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله.

فسر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بقول سعد –رضي الله عنه-.

ولم تقف أعمال الصحابة –رضوان الله عليهم – على مجرد هذه الأقوال التي تكتب بماء الذهب،

بل لقد ترجم ذلك الجيل هذه الأقوال أفعالا و أنزلوها من فضاء الكلام إلى ساحة التطبيق،

فهذا عمير بن الحمام، كان يأكل تمرات في يوم بدر،

فلما خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى الناس وقال:

"قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض" رواه مسلم

قال : يا رسول الله ! جنة عرضها السماوات والأرض ؟ قال ( نعم ) قال : بخ بخ .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما يحملك على قولك بخ بخ )

قال : لا . والله ! يا رسول الله ! إلى رجاءة أن أكون من أهلها . قال ( فإنك من أهلها )

فأخرج تمرات من قرنه . فجعل يأكل منهن . ثم قال : لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه ،

إنها لحياة طويلة . قال فرمى بما كان معه من التمر . ثم قاتل حتى قتل .
رواه مسلم


و صدق وصف الشاعر فيهم إذ يقول:

إن لله عبادا فطنا@@@طلقوا الدنيا و خافوا الفتن

نظروا فيها فلما علموا@@@أنها ليست حي وطنا

حسبوها لجة و اتخذوا@@@صالح الإعمال فيها سفنا

‏و قال تعالى: {‏محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا

يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود

ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه

يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما‏}‏ .

و إلى هنا وقف القلم ... و لعل للحديث بقية ،،،

بنت الحجاز
08-21-2008, 07:17 PM
جزاك الله خير أبو عبدالله...
وانشوف جديد ان شاء الله...

جوري
08-21-2008, 07:38 PM
حقا إننا لو عدنا إلى تاريخ رعيلنا الأول ..
ودرسنا نقاط القوة والضعف فيه لكنا مثلهم ..
فهم الذين كانوا الأوائل في كل مجالات الحياة .. ليتنا نتعلم منهم ..
فليس الدين صلاة وصيام وعبادة فحسب ..
بل الدين هو الالتزام بشرع الله في كل شيء..
سبحان الله ..همم عالية وصلت لمبتغاها ..
بارك الله فيك أخي أبو عبد الله على مواضيعك الرائعة..

صهـ الفجر ــيل
09-28-2008, 02:10 PM
رجال ونساء عظام من صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم-

حملوا معه الأمانة ... و بذلوا كل غالي و نفيـس من أجل إعلاء كلمة الحق

بنوا أنفسهم على أسس متينة وقواعد راسية وثوابت قوية

فكم نحن في شوق لأخبارهم وقصصهم

وتهوى النفوس سماع بطولاتهم وعباداتهم

كيف كانوا في الليل في تضرعهم

وفي أرض المعارك كالأسود

بانتظار تلك المقتطفات

نور
10-06-2008, 12:18 AM
مشكور أبو عبدالله على الموضوع..

وحقاٌ لو عدنا لسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم..

وسير الصحابة رضوان الله عليهم لوجدنا في الكثير من الأمور التي نفتقر إلى في هذه الأيام..

ولو اقتدينا بهم فبإذن الله ستهود لنا القوة وسينصرنا الله على أعداءهـ..

جزيت خيراً على هذه الوقفة الجملة وعلى هذا الموضوع الرائع..

أبو عبدالله
02-13-2010, 02:55 PM
ابنتي الفاضلة ( بنت الحجاز )

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ... و بعد

شكرا جزيلا على مروركم الكريم.

تمنياتي أن تعود مشاركاتكم كما كانت من قبل.


و في الختام ... تقبلوا تحياتي