المتفائل
05-08-2009, 12:59 PM
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ..
يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيرا ;
ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة
على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ;
والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض
بين شتى الصراعات والعقبات ;
والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب
مجندة القوى , يقظة للمداخل والمخارج . .
ولا بد من الصبر في هذا كله . .
لا بد من الصبر على الطاعات ,
والصبر عن المعاصي ,
والصبر على جهاد المشاقين لله ,
والصبر على الكيد بشتى صنوفه ,
والصبر على بطء النصر ,
والصبر على بعد الشقة ,
والصبر على انتفاش الباطل ,
والصبر على قلة الناصر ,
والصبر على طول الطريق الشائك
والصبر على التواء النفوس ,
وضلال القلوب , وثقلة العناد , ومضاضة الاعراض . .
وحين يطول الأمد , ويشق الجهد , قد يضعف الصبر , أو ينفد ,
إذا لم يكن هناك زاد ومدد
. ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر ;
فهي المعين الذي لا ينضب
والزاد الذي لا ينفد .
المعين الذي يجدد الطاقة ,
والزاد الذي يزود القلب ;
فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع .
ثم يضيف إلى الصبر , الرضى والبشاشة ,
والطمأنينة , والثقة واليقين .
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود
أن يتصل بالقوة الكبرى , يستمد منها العون
حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة .
حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة .
حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق
بين دفع الشهوات وإغراء المطامع ,
وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة .
حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ,
ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك المغيب ,
ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب .
حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا ,
ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق . .
هنا تبدو قيمة الصلاة . .
إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية
. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض .
إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض .
إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير
إلى مجال الواقع الكوني الكبير .
إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة ,
إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود . .
ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كان في الشدة قال:
" أرحنا بها يا بلال " . .
ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله .
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة .
والعبادة فيه ذات أسرار . ومن أسرارها :
أنها زاد الطريق . وأنها مدد الروح . وأنها جلاء القلب .
وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب
لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر . .
إن الله سبحانه حينما انتدب محمدا صلى الله عليه وسلم
للدور الكبير الشاق الثقيل , قال له:
( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا .
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). .
فكان الإعداد للقول الثقيل , والتكليف الشاق , والدور العظيم
هو قيام الليل وترتيل القرآن . .
إنها العبادة التي تفتح القلب , وتوثق الصلة ,
وتيسر الأمر , وتشرق بالنور ,
وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان .
ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام
إلى الصبر وإلى الصلاة . .
ثم يجيء التعقيب بعد هذا التوجيه:
( إن الله مع الصابرين ). .
معهم يؤيدهم , ويثبتهم , ويقويهم , ويؤنسهم ,
ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم , ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة ,
وقوتهم الضعيفة , إنما يمدهم حين ينفد زادهم ,
ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق . .
وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب:
( يا أيها الذين آمنوا . .)
ويختم النداء بذلك التشجيع العجيب:
( إن الله مع الصابرين ).
والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر بعضها لمناسبته للسياق القرآني هنا
في إعداد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها:
عن خباب بن الأرث - رضي الله عنه - قال:
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو متوسد بردة في ظل الكعبة . فقلنا:
ألا تستنصر لنا ? ألا تدعو لنا ? فقال:"
قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض , فيجعل فيها ,
ثم يؤتى بالمنشار , فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ,
ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ,
ما يصده ذلك عن دينه . .
والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء
إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله , والذئب على غنمه ,
ولكنكم تستعجلون " . .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحكي نبيا من الأنبياء عليهم السلام , ضربه قومه فأدموه ,
وهو يمسح الدم عن وجهه , وهو يقول:
" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
وعن يحيى بن وثاب , عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ..
يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيرا ;
ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة
على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ;
والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض
بين شتى الصراعات والعقبات ;
والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب
مجندة القوى , يقظة للمداخل والمخارج . .
ولا بد من الصبر في هذا كله . .
لا بد من الصبر على الطاعات ,
والصبر عن المعاصي ,
والصبر على جهاد المشاقين لله ,
والصبر على الكيد بشتى صنوفه ,
والصبر على بطء النصر ,
والصبر على بعد الشقة ,
والصبر على انتفاش الباطل ,
والصبر على قلة الناصر ,
والصبر على طول الطريق الشائك
والصبر على التواء النفوس ,
وضلال القلوب , وثقلة العناد , ومضاضة الاعراض . .
وحين يطول الأمد , ويشق الجهد , قد يضعف الصبر , أو ينفد ,
إذا لم يكن هناك زاد ومدد
. ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر ;
فهي المعين الذي لا ينضب
والزاد الذي لا ينفد .
المعين الذي يجدد الطاقة ,
والزاد الذي يزود القلب ;
فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع .
ثم يضيف إلى الصبر , الرضى والبشاشة ,
والطمأنينة , والثقة واليقين .
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود
أن يتصل بالقوة الكبرى , يستمد منها العون
حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة .
حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة .
حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق
بين دفع الشهوات وإغراء المطامع ,
وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة .
حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ,
ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك المغيب ,
ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب .
حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا ,
ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق . .
هنا تبدو قيمة الصلاة . .
إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية
. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض .
إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض .
إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير
إلى مجال الواقع الكوني الكبير .
إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة ,
إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود . .
ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كان في الشدة قال:
" أرحنا بها يا بلال " . .
ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله .
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة .
والعبادة فيه ذات أسرار . ومن أسرارها :
أنها زاد الطريق . وأنها مدد الروح . وأنها جلاء القلب .
وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب
لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر . .
إن الله سبحانه حينما انتدب محمدا صلى الله عليه وسلم
للدور الكبير الشاق الثقيل , قال له:
( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا .
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). .
فكان الإعداد للقول الثقيل , والتكليف الشاق , والدور العظيم
هو قيام الليل وترتيل القرآن . .
إنها العبادة التي تفتح القلب , وتوثق الصلة ,
وتيسر الأمر , وتشرق بالنور ,
وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان .
ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام
إلى الصبر وإلى الصلاة . .
ثم يجيء التعقيب بعد هذا التوجيه:
( إن الله مع الصابرين ). .
معهم يؤيدهم , ويثبتهم , ويقويهم , ويؤنسهم ,
ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم , ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة ,
وقوتهم الضعيفة , إنما يمدهم حين ينفد زادهم ,
ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق . .
وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب:
( يا أيها الذين آمنوا . .)
ويختم النداء بذلك التشجيع العجيب:
( إن الله مع الصابرين ).
والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر بعضها لمناسبته للسياق القرآني هنا
في إعداد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها:
عن خباب بن الأرث - رضي الله عنه - قال:
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو متوسد بردة في ظل الكعبة . فقلنا:
ألا تستنصر لنا ? ألا تدعو لنا ? فقال:"
قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض , فيجعل فيها ,
ثم يؤتى بالمنشار , فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ,
ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ,
ما يصده ذلك عن دينه . .
والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء
إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله , والذئب على غنمه ,
ولكنكم تستعجلون " . .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحكي نبيا من الأنبياء عليهم السلام , ضربه قومه فأدموه ,
وهو يمسح الدم عن وجهه , وهو يقول:
" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
وعن يحيى بن وثاب , عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي
لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .
لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .
يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيرا ;
ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة
على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ;
والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض
بين شتى الصراعات والعقبات ;
والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب
مجندة القوى , يقظة للمداخل والمخارج . .
ولا بد من الصبر في هذا كله . .
لا بد من الصبر على الطاعات ,
والصبر عن المعاصي ,
والصبر على جهاد المشاقين لله ,
والصبر على الكيد بشتى صنوفه ,
والصبر على بطء النصر ,
والصبر على بعد الشقة ,
والصبر على انتفاش الباطل ,
والصبر على قلة الناصر ,
والصبر على طول الطريق الشائك
والصبر على التواء النفوس ,
وضلال القلوب , وثقلة العناد , ومضاضة الاعراض . .
وحين يطول الأمد , ويشق الجهد , قد يضعف الصبر , أو ينفد ,
إذا لم يكن هناك زاد ومدد
. ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر ;
فهي المعين الذي لا ينضب
والزاد الذي لا ينفد .
المعين الذي يجدد الطاقة ,
والزاد الذي يزود القلب ;
فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع .
ثم يضيف إلى الصبر , الرضى والبشاشة ,
والطمأنينة , والثقة واليقين .
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود
أن يتصل بالقوة الكبرى , يستمد منها العون
حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة .
حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة .
حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق
بين دفع الشهوات وإغراء المطامع ,
وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة .
حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ,
ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك المغيب ,
ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب .
حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا ,
ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق . .
هنا تبدو قيمة الصلاة . .
إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية
. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض .
إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض .
إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير
إلى مجال الواقع الكوني الكبير .
إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة ,
إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود . .
ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كان في الشدة قال:
" أرحنا بها يا بلال " . .
ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله .
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة .
والعبادة فيه ذات أسرار . ومن أسرارها :
أنها زاد الطريق . وأنها مدد الروح . وأنها جلاء القلب .
وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب
لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر . .
إن الله سبحانه حينما انتدب محمدا صلى الله عليه وسلم
للدور الكبير الشاق الثقيل , قال له:
( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا .
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). .
فكان الإعداد للقول الثقيل , والتكليف الشاق , والدور العظيم
هو قيام الليل وترتيل القرآن . .
إنها العبادة التي تفتح القلب , وتوثق الصلة ,
وتيسر الأمر , وتشرق بالنور ,
وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان .
ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام
إلى الصبر وإلى الصلاة . .
ثم يجيء التعقيب بعد هذا التوجيه:
( إن الله مع الصابرين ). .
معهم يؤيدهم , ويثبتهم , ويقويهم , ويؤنسهم ,
ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم , ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة ,
وقوتهم الضعيفة , إنما يمدهم حين ينفد زادهم ,
ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق . .
وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب:
( يا أيها الذين آمنوا . .)
ويختم النداء بذلك التشجيع العجيب:
( إن الله مع الصابرين ).
والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر بعضها لمناسبته للسياق القرآني هنا
في إعداد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها:
عن خباب بن الأرث - رضي الله عنه - قال:
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو متوسد بردة في ظل الكعبة . فقلنا:
ألا تستنصر لنا ? ألا تدعو لنا ? فقال:"
قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض , فيجعل فيها ,
ثم يؤتى بالمنشار , فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ,
ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ,
ما يصده ذلك عن دينه . .
والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء
إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله , والذئب على غنمه ,
ولكنكم تستعجلون " . .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحكي نبيا من الأنبياء عليهم السلام , ضربه قومه فأدموه ,
وهو يمسح الدم عن وجهه , وهو يقول:
" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
وعن يحيى بن وثاب , عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) ..
يتكرر ذكر الصبر في القرآن كثيرا ;
ذلك أن الله سبحانه يعلم ضخامة الجهد الذي تقتضيه الاستقامة
على الطريق بين شتى النوازع والدوافع ;
والذي يقتضيه القيام على دعوة الله في الأرض
بين شتى الصراعات والعقبات ;
والذي يتطلب أن تبقى النفس مشدودة الأعصاب
مجندة القوى , يقظة للمداخل والمخارج . .
ولا بد من الصبر في هذا كله . .
لا بد من الصبر على الطاعات ,
والصبر عن المعاصي ,
والصبر على جهاد المشاقين لله ,
والصبر على الكيد بشتى صنوفه ,
والصبر على بطء النصر ,
والصبر على بعد الشقة ,
والصبر على انتفاش الباطل ,
والصبر على قلة الناصر ,
والصبر على طول الطريق الشائك
والصبر على التواء النفوس ,
وضلال القلوب , وثقلة العناد , ومضاضة الاعراض . .
وحين يطول الأمد , ويشق الجهد , قد يضعف الصبر , أو ينفد ,
إذا لم يكن هناك زاد ومدد
. ومن ثم يقرن الصلاة إلى الصبر ;
فهي المعين الذي لا ينضب
والزاد الذي لا ينفد .
المعين الذي يجدد الطاقة ,
والزاد الذي يزود القلب ;
فيمتد حبل الصبر ولا ينقطع .
ثم يضيف إلى الصبر , الرضى والبشاشة ,
والطمأنينة , والثقة واليقين .
إنه لا بد للإنسان الفاني الضعيف المحدود
أن يتصل بالقوة الكبرى , يستمد منها العون
حين يتجاوز الجهد قواه المحدودة .
حينما تواجهه قوى الشر الباطنة والظاهرة .
حينما يثقل عليه جهد الاستقامة على الطريق
بين دفع الشهوات وإغراء المطامع ,
وحينما تثقل عليه مجاهدة الطغيان والفساد وهي عنيفة .
حينما يطول به الطريق وتبعد به الشقة في عمره المحدود ,
ثم ينظر فإذا هو لم يبلغ شيئا وقد أوشك المغيب ,
ولم ينل شيئا وشمس العمر تميل للغروب .
حينما يجد الشر نافشا والخير ضاويا ,
ولا شعاع في الأفق ولا معلم في الطريق . .
هنا تبدو قيمة الصلاة . .
إنها الصلة المباشرة بين الإنسان الفاني والقوة الباقية
. إنها الموعد المختار لالتقاء القطرة المنعزلة بالنبع الذي لا يغيض .
إنها مفتاح الكنز الذي يغني ويقني ويفيض .
إنها الانطلاقة من حدود الواقع الأرضي الصغير
إلى مجال الواقع الكوني الكبير .
إنها الروح والندى والظلال في الهاجرة ,
إنها اللمسة الحانية للقلب المتعب المكدود . .
ومن هنا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذا كان في الشدة قال:
" أرحنا بها يا بلال " . .
ويكثر من الصلاة إذا حزبه أمر ليكثر من اللقاء بالله .
إن هذا المنهج الإسلامي منهج عبادة .
والعبادة فيه ذات أسرار . ومن أسرارها :
أنها زاد الطريق . وأنها مدد الروح . وأنها جلاء القلب .
وأنه حيثما كان تكليف كانت العبادة هي مفتاح القلب
لتذوق هذا التكليف في حلاوة وبشاشة ويسر . .
إن الله سبحانه حينما انتدب محمدا صلى الله عليه وسلم
للدور الكبير الشاق الثقيل , قال له:
( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا .
أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا . . إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا). .
فكان الإعداد للقول الثقيل , والتكليف الشاق , والدور العظيم
هو قيام الليل وترتيل القرآن . .
إنها العبادة التي تفتح القلب , وتوثق الصلة ,
وتيسر الأمر , وتشرق بالنور ,
وتفيض بالعزاء والسلوى والراحة والاطمئنان .
ومن ثم يوجه الله المؤمنين هنا وهم على أبواب المشقات العظام
إلى الصبر وإلى الصلاة . .
ثم يجيء التعقيب بعد هذا التوجيه:
( إن الله مع الصابرين ). .
معهم يؤيدهم , ويثبتهم , ويقويهم , ويؤنسهم ,
ولا يدعهم يقطعون الطريق وحدهم , ولا يتركهم لطاقتهم المحدودة ,
وقوتهم الضعيفة , إنما يمدهم حين ينفد زادهم ,
ويجدد عزيمتهم حين تطول بهم الطريق . .
وهو يناديهم في أول الآية ذلك النداء الحبيب:
( يا أيها الذين آمنوا . .)
ويختم النداء بذلك التشجيع العجيب:
( إن الله مع الصابرين ).
والأحاديث في الصبر كثيرة نذكر بعضها لمناسبته للسياق القرآني هنا
في إعداد الجماعة المسلمة لحمل عبئها والقيام بدورها:
عن خباب بن الأرث - رضي الله عنه - قال:
شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو متوسد بردة في ظل الكعبة . فقلنا:
ألا تستنصر لنا ? ألا تدعو لنا ? فقال:"
قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض , فيجعل فيها ,
ثم يؤتى بالمنشار , فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ,
ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ,
ما يصده ذلك عن دينه . .
والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء
إلى حضرموت فلا يخاف إلا الله , والذئب على غنمه ,
ولكنكم تستعجلون " . .
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال:"
كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
يحكي نبيا من الأنبياء عليهم السلام , ضربه قومه فأدموه ,
وهو يمسح الدم عن وجهه , وهو يقول:
" اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " .
وعن يحيى بن وثاب , عن شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي
لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .
لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم " .