ناصح أمين
04-04-2009, 07:35 AM
فلنتدبر القرآن 3
بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن هو كتاب الله
الذي أنزله على محمد – صلى الله عليه وسلم -،
ليكون دستورا لهذه الأمة ... منه تستقى أحكامها ...
و إليه ترجع عند اختلافها ...
فيه عزها ... و فيه رفعتها و ذكرها
تلاوته أجر ... و مدارسته ذكر.
أنزله الله ليتدبر المسلمون آياته فقال تعالى:
" كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته " ( ص:29)
فتعالوا معا نتدبر الآيتين الأول من سورة البقرة.
سورة البقرة مدنية .. نزلت في مُدَدٍ شتى .. وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة .. إلا قوله تعالى{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} .. فإنه آخر آية نزلت من السماء .. ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .. وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن.
ويقال لها: فسطاط القرآن .. قاله خالد بن معدان .. وذلك لعظمها وبهائها .. وكثرة أحكامها ومواعظها .. وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة .. وابنه عبد الله في ثماني سنين.
فضل سورة البقرة
من فضائلها .. أن الرسول أمر بقراءتها في البيت .. حتى يصبح بيتا محصنا من وساوس الشيطان و خيله و رجله .. فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ينفر منه الشيطان .. أما البيت الذي لا تقرأ فيه سورة البقرة فقد شبهه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالمقبرة .. فروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة).
و من فضائلها أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- سماها سنام القرآن .. و السنام من كل شيء أعلاه منزلة و مكانة .. و لما للجهاد في سبيل الله من مكانة عظيمة في هذا الدين فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصفه بذروة سنام الإسلام .. و كذلك سورة البقرة فهي سنام القرآن .. ففي الحديث الذي حسنه الألباني .. يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لباباً وإن لباب القرآن المفصل".
و بعد ذكر فضائل سورة البقرة .. نتوكل على الله .. و نبدأ بالتأمل في آياتها ..
الآية رقم (1)
قوله تعالى{الم}:
اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة .. و ذكر ابن الجوزي في تفسيره " زاد المسير في علم التفسير " ستة أقوال .. اخترت منها الثلاثة التالية:
القول الأول: هي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه .. فإن آيات القرآن تنقسم إلى قسمين :
محكم و متشابه .. قال تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر إلا ألوا الألباب ) .. فهذه الحروف المقطعة هي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله .. و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا .. و هي سر الله في القرآن .. ولا يجب أن يتكلم فيها .. ولكن نؤمن بها ونقرأها كما جاءت .. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
القول الثاني: أنها حروف أقسم الله بها .. فلقد أقسم الله بالكواكب و النجوم فقال تعالى : ( و الشمس و ضحاها ، و القمر إذا تلاها ) .. و أقسم بالأزمنة فقال : ( و الليل إذا يغشى ، و النهار إذا تجلى ) .. و أقسم بالأمكنة .. فقال : ( و الطور ) .. فكذلك أقسم الله بالحروف .. فقال : ( ألم ) و (ق) .. و أما جواب القسم فمحذوف و تقديره هنا الآية التي بعده .. أنه لا ريب في هذا القرآن .. و أنه هدى للمتقين.
القول الثالث : و هو ما رجحه الإمام ابن تيمية –رحمه الله تعالى - .. وهو أن في ذكر هذه الحروف إشارة إلى إعجاز القرآن و أنه من كلام الله أنزله على رسوله و ليس من تأليف محمد – صلى الله عليه وسلم- .. فهذا القرآن مكون من هذه الحروف و هي ذاتها الحروف التي يستخدمها العرب في كلامهم و شعرهم و حديثهم .. و مع هذا تحداهم الله أن يأتوا بسورة مثله فقال : ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) .. فثبت بذلك عجزهم .. و ثبت بذلك كونه أنه من عند الله.
الآية رقم (2)
{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
قوله تعالى{ذلك الكتاب}
قيل: المعنى هذا الكتاب. و{ذلك} قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر .. وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب
و يكون تلخيصه: الم هذا الكتاب لا ريب فيه .. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما، و قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : وقد جاء {هذا} بمعنى {ذلك}، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام: (يركبون ثبج هذا البحر) أي ذلك البحر، والله أعلم.
وقيل: بل المقصود هو اسم الإشارة للبعيد ( ذلك ) .. فالقرآن و إن كان بين أيدينا نقرؤآياته و نتدارس أحكامه و معانيه .. إلا أنه عالي المكانة .. مرتفع المنزلة .. و لذلك نستخدم اسم الإشارة البعيد للإشارة إليه .. ففي استخدام اسم الإشارة ( ذلك ) زيادة في المعنى .. للدلالة على علو منزلة القرآن و رفعة مكانه.
والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة، لاجتماعها. وتكتَّبت الخيل صارت كتائب .. والكتاب: هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا .. والكتاب: الفرض والحكم والقدر .. و المقصود هنا هو القرآن الكريم.
قوله تعالى{لا ريب فيه}
تحتمل معنيين ..
الأول : لا ريب و لا شك أنه من عند الله .. فالحديث هنا عن ربانية المصدر و انه من عند الله سبحانه و تعالى.
الثاني : لا ريب في آياته و في ذاته .. فكل آياته حق .. و كل ما فيه حقائق لا شك فيها و لا ريب .. فالحديث هنا عن ذات القرآن و آياته و أحكامه و كل ما ورد فيه.
قوله تعالى{ هدى للمتقين}
الهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان .. أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى .. و الهدى أيضا النور و الإرشاد .. و لذلك قيل: إن الهدى اسم من أسماء النهار .. لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم.
الهدى هُديان: هدى دلالة .. وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم .. قال الله تعالى{ولكل قوم هاد} .. وقال{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} .. فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه .. وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق .. فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم{إنك لا تهدي من أحببت} . فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب.
قوله تعالى{للمتقين}
التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام، حكاه ابن فارس .. و لعل قلة الكلام ناتج لانصراف المسلم عنه و انشغاله بالعمل دون كثرة الكلام.
و التقوى هو أن يجعل المسلم بينه و بين غضب الله وقاية و حاجزا .. و ذلك بإتباع أوامره و اجتناب نواهيه .. أو بعبارة أخرى بفعل الواجبات و ترك المنهيات .. و على هذا فإن من كان ديدنه ترك أداء الصلاة في وقتها ومع الجماعة ليس من المتقين .. لأنه ارتكب محظورا.
سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيا عن التقوى .. فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم: قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت .. قال: فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
فعلى المسلم الذي ينشد التقوى أن يحذر أشواك طريق الحياة .. و ما أكثر هذه الأشواك .. إن الحياة مليئة بأشواك الرغائب و الشهوات و الملذات .. مليئة بأشواك الخوف على المستقبل و الزوجة و الأولاد .. مليئة بأشواك الخوف ممن لا يملك ضرا و لا نفعا .. و أشواك الرجاء فيمن لا ينفع و لا يضر .. إنها أشواك الحياة .. يأبى المسلم إلا أن يحذرها و يشمر عن ساعد الجد ليتجنبها .. حتى يكتب في زمرة المتقين.
و مرة أخرى نعود مع هذا المقطع من الآية ( هدى للمتقين ) .. و نقف معه وقفتين.
الوقفة الأولى : إن هذا القرآن هدى و نور و مرشد و رشد .. و لكن لمن يكون هذا القرآن هدى ؟؟ .. للمتقين .. نعم للمتقين فقط.
فمن أراد أن يحفظ القرآن .. و يتعلم أحكامه .. و يتأثر بآياته فعليه أن يتق الله .. فإن هذا القرآن لا يفتح مغاليقه .. و لا يعطي أسراره .. و لا يهدي علمه .. إلا لمن كان له قلب نظيف طاهر متق .. فالقلب المتقي .. الخائف الوجل .. هو موطن تجليات هذا الكتاب العزيز .. و هو المحل الذي لا يقبل القرآن غيره محلا لإشعال نوره و بزوغ ضوئه.
الوقفة الثانية : إن من أراد أن يقيس مدى التقوى في قلبه .. فعليه أن يعرض نفسه على القرآن .. فهل هذا الكتاب قريب منه .. و هل يتأثر بآيات هذا الكتاب المبين الحكيم .. فيخاف إذا استمع إلى آيات العذاب .. و يرجو الرحمة إذا أنصت إلى آيات الرحمة و النعيم .. و يمتنع عن المنهيات و المنكرات إذا قرأ آيات الأحكام الخاصة بما نهى الله عنه .. أم أن هذه الآيات تمر عليه مرور الكرام .. و كأنه يقرأ مقالة في مجلة أو خبرا في جريده .. فلا يتأثر و لا يتحرك قلبه لذلك.
فإن كان كلام الله لا يؤثر فيه .. فإن مؤشر التقوى ضعيف يحتاج إلى مزيد من الجهد لرفعه .. و يحتاج إلى مزيد من العمل للارتقاء به .. و البداية تكون بكثرة قراءة هذا الكتاب .. و كثرة مطالعة آياته والتدبر فيه .. و لذلك حثنا نبينا محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – أن نقرأ القرآن و نكثر من قراءته حتى يكون صاحبا لنا و نكون أصحاب له .. و الصاحب لا يبتعد عن صاحبه .. فهو في شغل و تفكر دائما به .. ففي الحديث الصحيح : " اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه " .. نعم شفيعا لأصحابه .. و لم يقل الرسول – صلى الله عليه وسلم – " شفيعا لمن يقرؤه " .. بل لا بد من المصاحبة و القراءة الدائمة.
فهل بعد هذا البيان بيان .. و هل في هذا
ما يدفع المسلم إلى بذل مزيد من الجهد
في قراءة القرآن و تدبر معانيه ؟؟؟
نسأل الله – سبحانه و تعالى – أن يجعل القرآن
الكريم ربيع قلوبنا .. و جلاء همومنا و أحزاننا.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
بسم الله الرحمن الرحيم
القرآن هو كتاب الله
الذي أنزله على محمد – صلى الله عليه وسلم -،
ليكون دستورا لهذه الأمة ... منه تستقى أحكامها ...
و إليه ترجع عند اختلافها ...
فيه عزها ... و فيه رفعتها و ذكرها
تلاوته أجر ... و مدارسته ذكر.
أنزله الله ليتدبر المسلمون آياته فقال تعالى:
" كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته " ( ص:29)
فتعالوا معا نتدبر الآيتين الأول من سورة البقرة.
سورة البقرة مدنية .. نزلت في مُدَدٍ شتى .. وقيل: هي أول سورة نزلت بالمدينة .. إلا قوله تعالى{واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله} .. فإنه آخر آية نزلت من السماء .. ونزلت يوم النحر في حجة الوداع بمنى .. وآيات الربا أيضا من أواخر ما نزل من القرآن.
ويقال لها: فسطاط القرآن .. قاله خالد بن معدان .. وذلك لعظمها وبهائها .. وكثرة أحكامها ومواعظها .. وتعلمها عمر رضي الله عنه بفقهها وما تحتوي عليه في اثنتي عشرة سنة .. وابنه عبد الله في ثماني سنين.
فضل سورة البقرة
من فضائلها .. أن الرسول أمر بقراءتها في البيت .. حتى يصبح بيتا محصنا من وساوس الشيطان و خيله و رجله .. فإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة ينفر منه الشيطان .. أما البيت الذي لا تقرأ فيه سورة البقرة فقد شبهه الرسول – صلى الله عليه وسلم – بالمقبرة .. فروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة).
و من فضائلها أن الرسول – صلى الله عليه وسلم- سماها سنام القرآن .. و السنام من كل شيء أعلاه منزلة و مكانة .. و لما للجهاد في سبيل الله من مكانة عظيمة في هذا الدين فإن الرسول – صلى الله عليه وسلم – وصفه بذروة سنام الإسلام .. و كذلك سورة البقرة فهي سنام القرآن .. ففي الحديث الذي حسنه الألباني .. يقول رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :" إن لكل شيء سناما وإن سنام القرآن سورة البقرة، وإن لكل شيء لباباً وإن لباب القرآن المفصل".
و بعد ذكر فضائل سورة البقرة .. نتوكل على الله .. و نبدأ بالتأمل في آياتها ..
الآية رقم (1)
قوله تعالى{الم}:
اختلف أهل التأويل في الحروف التي في أوائل السورة .. و ذكر ابن الجوزي في تفسيره " زاد المسير في علم التفسير " ستة أقوال .. اخترت منها الثلاثة التالية:
القول الأول: هي من المتشابه الذي انفرد الله تعالى بعلمه .. فإن آيات القرآن تنقسم إلى قسمين :
محكم و متشابه .. قال تعالى : ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب و أخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا و ما يذكر إلا ألوا الألباب ) .. فهذه الحروف المقطعة هي من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله .. و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا .. و هي سر الله في القرآن .. ولا يجب أن يتكلم فيها .. ولكن نؤمن بها ونقرأها كما جاءت .. وروي هذا القول عن أبي بكر الصديق وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
القول الثاني: أنها حروف أقسم الله بها .. فلقد أقسم الله بالكواكب و النجوم فقال تعالى : ( و الشمس و ضحاها ، و القمر إذا تلاها ) .. و أقسم بالأزمنة فقال : ( و الليل إذا يغشى ، و النهار إذا تجلى ) .. و أقسم بالأمكنة .. فقال : ( و الطور ) .. فكذلك أقسم الله بالحروف .. فقال : ( ألم ) و (ق) .. و أما جواب القسم فمحذوف و تقديره هنا الآية التي بعده .. أنه لا ريب في هذا القرآن .. و أنه هدى للمتقين.
القول الثالث : و هو ما رجحه الإمام ابن تيمية –رحمه الله تعالى - .. وهو أن في ذكر هذه الحروف إشارة إلى إعجاز القرآن و أنه من كلام الله أنزله على رسوله و ليس من تأليف محمد – صلى الله عليه وسلم- .. فهذا القرآن مكون من هذه الحروف و هي ذاتها الحروف التي يستخدمها العرب في كلامهم و شعرهم و حديثهم .. و مع هذا تحداهم الله أن يأتوا بسورة مثله فقال : ( و إن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله و ادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ) .. فثبت بذلك عجزهم .. و ثبت بذلك كونه أنه من عند الله.
الآية رقم (2)
{ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}
قوله تعالى{ذلك الكتاب}
قيل: المعنى هذا الكتاب. و{ذلك} قد تستعمل في الإشارة إلى حاضر .. وإن كان موضوعا للإشارة إلى غائب
و يكون تلخيصه: الم هذا الكتاب لا ريب فيه .. وهذا قول أبي عبيدة وعكرمة وغيرهما، و قال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن : وقد جاء {هذا} بمعنى {ذلك}، ومنه قوله عليه السلام في حديث أم حرام: (يركبون ثبج هذا البحر) أي ذلك البحر، والله أعلم.
وقيل: بل المقصود هو اسم الإشارة للبعيد ( ذلك ) .. فالقرآن و إن كان بين أيدينا نقرؤآياته و نتدارس أحكامه و معانيه .. إلا أنه عالي المكانة .. مرتفع المنزلة .. و لذلك نستخدم اسم الإشارة البعيد للإشارة إليه .. ففي استخدام اسم الإشارة ( ذلك ) زيادة في المعنى .. للدلالة على علو منزلة القرآن و رفعة مكانه.
والكتاب مصدر من كتب يكتب إذا جمع، ومنه قيل: كتيبة، لاجتماعها. وتكتَّبت الخيل صارت كتائب .. والكتاب: هو خط الكاتب حروف المعجم مجموعة أو متفرقة، وسمي كتابا وإن كان مكتوبا .. والكتاب: الفرض والحكم والقدر .. و المقصود هنا هو القرآن الكريم.
قوله تعالى{لا ريب فيه}
تحتمل معنيين ..
الأول : لا ريب و لا شك أنه من عند الله .. فالحديث هنا عن ربانية المصدر و انه من عند الله سبحانه و تعالى.
الثاني : لا ريب في آياته و في ذاته .. فكل آياته حق .. و كل ما فيه حقائق لا شك فيها و لا ريب .. فالحديث هنا عن ذات القرآن و آياته و أحكامه و كل ما ورد فيه.
قوله تعالى{ هدى للمتقين}
الهدى في كلام العرب معناه الرشد والبيان .. أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشد وزيادة بيان وهدى .. و الهدى أيضا النور و الإرشاد .. و لذلك قيل: إن الهدى اسم من أسماء النهار .. لأن الناس يهتدون فيه لمعايشهم وجميع مأربهم.
الهدى هُديان: هدى دلالة .. وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم .. قال الله تعالى{ولكل قوم هاد} .. وقال{وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} .. فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه .. وتفرد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق .. فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم{إنك لا تهدي من أحببت} . فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب.
قوله تعالى{للمتقين}
التقوى يقال أصلها في اللغة قلة الكلام، حكاه ابن فارس .. و لعل قلة الكلام ناتج لانصراف المسلم عنه و انشغاله بالعمل دون كثرة الكلام.
و التقوى هو أن يجعل المسلم بينه و بين غضب الله وقاية و حاجزا .. و ذلك بإتباع أوامره و اجتناب نواهيه .. أو بعبارة أخرى بفعل الواجبات و ترك المنهيات .. و على هذا فإن من كان ديدنه ترك أداء الصلاة في وقتها ومع الجماعة ليس من المتقين .. لأنه ارتكب محظورا.
سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أُبيا عن التقوى .. فقال: هل أخذت طريقا ذا شوك؟ قال: نعم: قال فما عملت فيه؟ قال: تشمرت وحذرت .. قال: فذاك التقوى. وأخذ هذا المعنى ابن المعتز فنظمه:
خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى
واصنع كماش فوق أر ض الشوك يحذر ما يرى
لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى
فعلى المسلم الذي ينشد التقوى أن يحذر أشواك طريق الحياة .. و ما أكثر هذه الأشواك .. إن الحياة مليئة بأشواك الرغائب و الشهوات و الملذات .. مليئة بأشواك الخوف على المستقبل و الزوجة و الأولاد .. مليئة بأشواك الخوف ممن لا يملك ضرا و لا نفعا .. و أشواك الرجاء فيمن لا ينفع و لا يضر .. إنها أشواك الحياة .. يأبى المسلم إلا أن يحذرها و يشمر عن ساعد الجد ليتجنبها .. حتى يكتب في زمرة المتقين.
و مرة أخرى نعود مع هذا المقطع من الآية ( هدى للمتقين ) .. و نقف معه وقفتين.
الوقفة الأولى : إن هذا القرآن هدى و نور و مرشد و رشد .. و لكن لمن يكون هذا القرآن هدى ؟؟ .. للمتقين .. نعم للمتقين فقط.
فمن أراد أن يحفظ القرآن .. و يتعلم أحكامه .. و يتأثر بآياته فعليه أن يتق الله .. فإن هذا القرآن لا يفتح مغاليقه .. و لا يعطي أسراره .. و لا يهدي علمه .. إلا لمن كان له قلب نظيف طاهر متق .. فالقلب المتقي .. الخائف الوجل .. هو موطن تجليات هذا الكتاب العزيز .. و هو المحل الذي لا يقبل القرآن غيره محلا لإشعال نوره و بزوغ ضوئه.
الوقفة الثانية : إن من أراد أن يقيس مدى التقوى في قلبه .. فعليه أن يعرض نفسه على القرآن .. فهل هذا الكتاب قريب منه .. و هل يتأثر بآيات هذا الكتاب المبين الحكيم .. فيخاف إذا استمع إلى آيات العذاب .. و يرجو الرحمة إذا أنصت إلى آيات الرحمة و النعيم .. و يمتنع عن المنهيات و المنكرات إذا قرأ آيات الأحكام الخاصة بما نهى الله عنه .. أم أن هذه الآيات تمر عليه مرور الكرام .. و كأنه يقرأ مقالة في مجلة أو خبرا في جريده .. فلا يتأثر و لا يتحرك قلبه لذلك.
فإن كان كلام الله لا يؤثر فيه .. فإن مؤشر التقوى ضعيف يحتاج إلى مزيد من الجهد لرفعه .. و يحتاج إلى مزيد من العمل للارتقاء به .. و البداية تكون بكثرة قراءة هذا الكتاب .. و كثرة مطالعة آياته والتدبر فيه .. و لذلك حثنا نبينا محمد بن عبد الله – صلى الله عليه وسلم – أن نقرأ القرآن و نكثر من قراءته حتى يكون صاحبا لنا و نكون أصحاب له .. و الصاحب لا يبتعد عن صاحبه .. فهو في شغل و تفكر دائما به .. ففي الحديث الصحيح : " اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه " .. نعم شفيعا لأصحابه .. و لم يقل الرسول – صلى الله عليه وسلم – " شفيعا لمن يقرؤه " .. بل لا بد من المصاحبة و القراءة الدائمة.
فهل بعد هذا البيان بيان .. و هل في هذا
ما يدفع المسلم إلى بذل مزيد من الجهد
في قراءة القرآن و تدبر معانيه ؟؟؟
نسأل الله – سبحانه و تعالى – أن يجعل القرآن
الكريم ربيع قلوبنا .. و جلاء همومنا و أحزاننا.
و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.