المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اللسان .. و سحر البيان


أبو عبدالله
12-20-2008, 08:54 AM
من منّا لا يعرف رسول الإنسانية، الذي أوتي جوامع الكلم،

فهو يتحدث بالكلام القليل الذي يحمل في طيّاته المعاني الكثيرة،

و الحكم الجامعة، و الجمل البليغة. بيانه سحر، تطرب الأذن لسماع

أحاديثه، وتستمتع النفس بذكر كلامه، من أراد الحكمة فليتفكر

في أقواله، و من أراد السعادة في الدنيا،

و الفوز في الآخرة فليلتزم تعاليمه.


اللسان هو أداة البيان القولي، به يعبر الإنسان عما

يجول في خاطره، و ما يتوق الوصول إليه، و ما يريد من الآخرين عمله.

تحزن النفس لطارئ ألمّ بها، فيتحول اللسان إلى مزمار من مزامير

الحزن، و تفرح النفس لخير أصابها، فيعبر اللسان عن سعادته

بمعسول الكلام و جميل المعاني، و يغضب الإنسان على الآخرين،

فيصبح اللسان سلاحا فاتكا، يرمي بأقذع الألقاب و أبشع الصفات،

و كأنه المدفع في ثورته و البركان في غضبه، و يحب الإنسان فردا،

فيغرد اللسان بترانيم الأنس و موشحات السعادة، و تتعالى أناشيده

بما حسن من الصفات و ما جمل من الألقاب.


هذا هو حال اللسان إذا ما ترك على هواه يتجاوب مع نفس صاحبه،

و مدّ (بضم الميم) له الحبل على الغارب، يفعل ما يشاء. فماذا أمرنا به

رسول الله – صلى الله عليه وسلم- تجاه هذه الأداة الصغيرة الحجم

الكبيرة التأثير، و بماذا وجّهنا حبيبنا المصطفى لنضبط هذا اللسان

حتى لا يوردنا موارد الهلاك، وحتى يقودنا إلى

ما فيه الخير و الصلاح و الإصلاح.


ورد في الصحيحين أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال:"

من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت،

ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره،

و من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليكرم ضيفه ".


إن ربط حركة اللسان بالإيمان بالله، يدفع المسلم لمحاسبة

نفسه على كل كلمة يقولها، وكل حرف يتلفظ به، فعمل اللسان

جزء من الإيمان و جزء من الدين الذين يدين به المسلم

لله – سبحانه و تعالى – و ليس نافلة من النوافل،

و مستحبا من المستحبات.


" من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت "

لقد أخطأ كثير من المسلمين اليوم عندما جعلوا الإيمان مجرد تصديق

القلب، و أخرجوا الأعمال من دائرة الإيمان. ليس الإيمان بالتمني

و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل، و الله في محكم تنزيله يقول:

( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم و إذا تليت عليهم آياته

زادتهم إيمانا و على ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة و مما

رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات

عند ربهم و مغفرة و رزق كريم)


و تحت مسمى الإيمان، جاء التوجيه النبوي "فليقل خيرا أو ليصمت"،

و تقديم قول الخير على الصمت ليشي بأن هذا الدين هو

دين الإيجابية و البعد عن السلبية، فإن قول الخير يتعدى نفعه

قائله ليشمل الآخرين، بينما الصمت عن الشر عمل سلبي

يمنع تفشي الأمراض بين أفراد المجتمع المسلم.


" فليقل خيرا" ... و ميدان قول الخير ميدان فسيح واسع،

لا كما يفهمه بعض المسلمين من أنه مجرد قراءة القرآن و ذكر الله،

أو خطيب مفوه يجتمع الناس على كلامه، و ينصت الحاضرون

إلى مواعظه، و كأن على رؤوسهم الطير، أو إمام مسجد يلقي

موعظة يتأثر المصلون بما ورد فيها من بليغ العبارة، و حسن القصص.


إنّ ميدان قول الخير أوسع من ذلك بكثير، إن غالب كلام المسلم

ليصبح من قول الخير إن أراد بذلك وجه الله، و توثيق الروابط الأخوية

بين أفراد المجتمع، و تطوير ذوات أفراده ليحلقوا في سماء

الممكن من عالي الأخلاق و كريم الطباع.


أن ترد السلام على من عرفت و من لا تعرف، و تسأل عن

أحوال الناس راغبا في الوصول إلى قلوبهم، فتتعرف على ما

يسرهم و ما يحزنهم، و تقدم لهم المشورة فيما يصلح دينهم

و دنياهم, هذا من قول الخير. أن تدخل على أهل بيتك فتسأل

عما يواجههم في طلبهم للعلم، فترشدهم على ما يزيدهم في

مجال العلم علما على علم، و تحذرهم من معوقات طلب العلم

و آفاته، هذا أيضا من قول الخير. أن تساهم مساهمة فاعلة

في الاجتماعات الخاصة بعملك الوظيفي، فتقترح من الآليات

ما يطور عمل المؤسسة، و توضح مواطن الفساد ليتم

إصلاحه، و تقابل ( المراجعين ) بوجه طلق مبتسم،

و كلام معسول محبب لنفوسهم، تبدؤه بكلمة

" أبشر ... نحن في خدمتك"،

هذا أيضا من قول الخير، بل من أحسنه.


هذه أمثلة ثلاث من تلك الدائرة الواسعة، دائرة قول الخير،

و قس غيرها عليها، ليتبين لنا جميعا أن ميدان قول الخير

أوسع معنى، و أكثر شمولية مما يفهمه بعض المسلمين اليوم.


فإن لم يكن عندنا من الخير ما نقوله، فلا أقل من أن نتبع

الهدي النبوي العظيم " أو ليصمت ".


لنصمت عن كل ما يسبب التفرق و التناحر بين أفراد المجتمع،

لنلتزم الصمت عن السخرية و الاستهزاء بالآخرين،

لنحافظ على ألسنتنا نظيفة من الخوض في ذكر المسلمين

بما يكرهونه و إن كان فيهم فنغتابهم أو بما ليس فيهم فنبهتهم.


" يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا

خيرا منهم و لا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن،

و لا تلمزوا أنفسكم و لا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم

الفسوق بعد الإيمان، و من لم يتب فألئك هم الظالمون *

يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم،

و لا تجسسوا، و لا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن

يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه،

و اتقوا الله إن الله تواب رحيم)


نحن المسلمون نحتفظ بسيوفنا في أغمادها في حال الغضب

خوفا من الوقوع في المحرم من قتل النفس المعصومة،

أو حفاظا عن أن تسيل الدماء في جراحات لا طائل من ورائها.

و بنفس المنطق فلنحافظ على ألسنتنا من الخوض في

الشر خوفا من الوقوع في المحرم من تفريق كلمة

المسلمين أو هتك أعراضهم وأكل اللحوم الميتة المحرمة المسمومة.


هذا هو الضابط النبوي الشريف لذلك العضو الصغير في

حجمه الكبير في أثره

" من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت ..."


فليكن اللسان مصدرا لسحر البيان الملتزم بقول الخير و إشاعته

بين المسلمين لصلاحهم و إصلاحهم، و المترفع عن الشر بالصمت عما

يجرح الآخرين أو يعرض أعراضهم للسوء، و بهذا اللسان الفعال

الإيجابي نرتقي في سلم المجد خطوة،

و ترتفع أخلاقنا في مدارج المرتقي الصاعد درجة.

يوم الجمعة 21/12/1429 هـ

جوري
12-20-2008, 09:30 AM
صحيح وكما يقول المثل " لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك "

يموت الفتى من عثرة بلسانه *** وليس يموت المرء من عثرة الرجل

فعثرته من فيه ترمي برأسه *** وعثرته بالرجل تبرى على مهل

سحاب
12-22-2008, 12:46 AM
أخي بو عبدالله

يا صاحب القلم المدرار ويا صاحب العبارات الذهبية بارك الله فيما اعطاك من براعة في الاسلوب


اللسان سلاح ذو حدين اما كلمة تتكلم بها تسرك يوم القيامة أو كلمة تتكلم بها لاتسرك يوم القيامة


وأسال الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته

أضواء الشرقية
12-22-2008, 06:31 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


جزاك الله خير على هذه النصيحة والصحيح ان اللسان رفع اقوام

وشخصيات وذل اقوام وشخصيات !!


صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لمعاذ رضي الله عنه :

(( كُف عليك هذا , وأشار إلى لسانه )) رواه أحمد , والترمذي ,

والنسائي , وابن ماجه . فقال معاذ : أو إنا مؤاخذون بما نتكلم به يارسول الله ؟

فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ثكلتك أمك يامعاذ , وهل يكب الناس في النار

على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم )) .

ضرر اللسان عظيم , وخطره جسيم , كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه

يأخذ بلسانه ويبكي ويقول : هذا أوردني الموارد .


اطال الله عمرك بلأعمال الصالحه وجعلها في ميزان حسناتك

ومهما قلنا وكتبنا اسمح لي أخي الفاضل /أبوعبدالله

فلن أوفي الموضوع حقه

دمت لنا عز وفخر و

دام قلمك شامخا في هذا المنتدى

ناصح أمين
12-26-2008, 10:08 AM
أخي الفاضل/ أبو عبدالله

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ... وبعد


شكرا جزيلا على هذا الموضوع المفيد.


أعجبني قولك بأن الإسلام دين الإيجابية، و لهذا قدم

الكلام بالخير عن السكوت عن ضده ... و في هذا يقول

الشاعر:

تكلم و سدد ما استطعت فإنما

كلامك حي و السكوت جماد

فإن لم تجد قولا سديدا تقوله

فصمتك عن غير السداد سداد.



إن آفات اللسان كثيرة ... و هي المقصودة في قول الشاعر

فصمتك عن غير السداد سداد ... و لقد ذكرت بعضا منها ...

و ذكرت الآيات التي تأمر المؤمنين بعدم الخوض فيها ... فلا حاجة

للإعادة ... بيد أن هذه الآفات كثيرة و هي مدخل من مداخل

الشيطان للتفريق بين المسلمين.



على المسلم أن يتذكر أن الخوض في أعراض الناس محرم ...

و أن الإنسان لا يخلو من عيب في نفسه ... فليسكت عن عيوب

الآخرين حتى لا يعرض عرضه للتجريح ... و صدق الشاعر إذ يقول

لسانك لا تذكر به عورة امرئ

فكل عورات و للناس ألسن

و عينك إن أبدت إليك مساوءا

فصنها و قل يا عين للناس أعين


أسأل الله أن يسدد خطانا، و أن يرزقنا الاخلاص في

القول و العمل، و أن يعيننا على ضبط هذه الجارحة

الصغيرة الحجم، الكبيرة في التأثير.

و في الختام تقبلوا تحياتي.

أبو عبدالله
12-29-2008, 10:04 AM
شكرا جزيلا ( جوري ) على مرورك الكريم.

و شكرا جزيلا على هذه الأبيات الجميلة، و كما قال الشاعر

أيضا:

لسان الفتى نصف و نصف فؤاده

فلم تبق ألا صورة اللحم والدم


و يقول الشاعر في زلات اللسان القاتلة

كم في المقابر من قتيل لسانه

كانت تخاف لقاءه الأعداء


شكرا جزيلا ( جوري ) على مرورك الكريم،

و على مشاركاتك الفاعلة.

الفاهم
01-06-2009, 01:02 PM
موضوع جميل ذو فائدة واثر ولحقه ردود الأخوان أسأل الله أن يبارك فيها

أخي أبو عبدالله سلمت تلك الانامل التي كتبت هذا الموضوع ولا حرمك الله الاجر

محبك الفاهم
( أبو سالم)

أبو عبدالله
03-28-2010, 11:13 AM
أخي الحبيب ( سحاب )

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته .. و بعد

شكرا جزيلا على مروركم الكريم، و على ثنائكم العاطر.
إفتقدنا قلمكم في هذا المنتدى المبارك، مع تمنياتي أن يعود هذا القلم إلى الكتابة من جديد، فظني بهذا القلم و صاحبه خيرا ، و مشاركاتكم السابقة تبين – بما لا يدع مجالا للشك – مقدار ثقافتكم و حسن كتاباتكم ، و يدا بيد نرتقي بهذا المنتدى إلى مصاف التميز.

و في الختام .. تقبلوا جزيل الشكر و وافر التقدير

أبو عبد الله