جوري
11-29-2008, 07:18 AM
مبدعون خلف جدران الجحود والنكران
http://www.okaz.com.sa/okaz/myfiles/2008/11/29/b70-big.jpg
جولة وتصوير - حسين الحجاجي
أين الاولاد و الأحبة و الأقارب؟ أين من نتلهف لرؤيتهم حتى و إن جحدوا؟
لماذا لايتذكرونا ولو حتى في المناسبات؟ كم نتمنى العودة إلى الأهل والدار..
لا تتركونا بهكذا نكران.. ولا تهربوا بعيدا عنا وكأننا مرضى بالجرب أو الجذام ..
تساؤلات كثيرة تتردد في مستشفى الأمراض النفسية في شهار
تحمل معاناة هؤلاء الذين يحتاجون فقط إلى دفء السؤال عنهم والاطمئنان على صحتهم
من قبل الأهل والأحباب. نحن مرضى... صحيح،
لكن نصف علاجنا أن لم يكن كله بالقرب من الآخرين،
فالعزلة تقتلنا. هكذا قال أحدهم ثم انسل مختبئا يكفكف دموع رجل
يحترق لبيته ويذويه الحنين لأسرته. ويضيف أبوعبدالرحمن "موظف متقاعد"
قائلا: لو كنت مسؤولا في وزارة الصحة لقدمت لمن يرعى هؤلاء الناس
هنا مميزات خاصة ولكرمتهم معنويا وماديا كل عام؛
كان أداء المستشفى وخدماته دون المستوى المنشود،
لأن وزارة الصحة في الماضى كانت تتعامل مع المستشفى
كمنفى ولهذا التصقت بالمستشفى سمعة سيئة لا تناسب دوره لكن ذلك الوضع تغير الآن .
في غرفة المدير
لم يكن مكتبه لكن الموظف الذي استقبلني قال:
إن كنت في عجلة فيمكنك أن تلتقي به في القسم الإداري من المستشفى فهو يتجول..
نظرت إلى (لوحة) وضعت في مدخل الادارة تحدد برامج العمل اليومي لمدير المستشفى
وبالفعل كانت تلك الساعة ضمن البرنامج المحدد وصدق من كان يحدثنى.
استوقفني (صالح لاحق الشبرمي) يأتى من وقت لآخر لزيارة
أحد أصدقاء والده القدامى من باب البر بأبيه فقط وقا
: بعض النزلاء هنا تركهم أولادهم منذ سنوات طويلة ولم يعد يكترث لأمرهم أحد
لا يسألوا عنهم مطلقا و المشكلة أن بعضهم قد تعافى تماما
ولم يعد يعاني من أي أعراض أو سلوكيات نفسية. ويتابع صالح:
أشاهد هؤلاء الناس ولكني عاجز عن تقديم أية خدمة لهم
و المرة الأولى التي تعاطفت مع بعضهم حينما أعطوا
صديق والدي أرقاما لهواتف أبنائهم أو عناوين اخوانهم
وبعض أقاربهم طالبين مني الاتصال بذويهم و إبلاغهم بسرعة الحضور لإخراجهم.
أقاطعه.. وهل استجاب أو تفاعل أحد معك وماذا كانت رسائلهم تحمل؟
يجيبنى صالح: أحدهم أعطاني رسالة لابنه (الموظف الكبير)
حينما قرأتها بكيت، فهذا الأب لم يأت أبنه لزيارته
منذ عشر سنوات وأن سبب بقائه فى المستشفى
زوجة ابنه التي أجبرته على التخلص منه هنا،
ولولا أنني مؤتمن لذكرت اسم ذلك الابن العاق لكن أعذرني.
أما الآخر والذي كتب لأخيه قصيدة شعر يعاتبه فيها
على عدم زيارته و يسأله فيها عن أمه، و يرجوه أن يأتى
و يخرجه فقط لكي يري أمه العجوز قبل وفاتها أو على الأقل يحضرها إليه.
ويستطرد صالح.. كما أن صديق والدي أحد الذين يعانون
من الجحود والنكران من أقرب الناس اليه،
فالرجل مر بحالة نفسية نتيجة لإحساسه بالقهر تجاه
موقف لا أستطيع التحدث عنه ولقد حاولت التدخل في موضوعه لكنني تعرضت لمشاكل صعبة.
ويتوقف صالح برهة ويستأنف الحديث: توصلت لبعض
أولئك الأقارب فمنهم من رفض حتى مقابلتي حينما أبلغته
أنني أحمل شيئا من والده أو أخيه النزيل هنا و منهم من شتمني
ووصفني بالملقوف وهناك من هددني حينما التقيت به في حين رفض أحدهم
حتى الحديث معي بحجة أنني أتكلم مع الشخص الخطأ
مدعيا بأنه لا أحد له في ذلك المستشفى،
فقط شخص واحد شكرني ووعدني خيرا واستمع لي.
توجهت إلى المدير وبادرنى قائلا: هات ما لديك، أعتقد أنك تجولت
بما يكفي ورأيت ما يستوجب لقاءك بي الآن، المستشفى
أمامك تنقل فيه كما تشاء ليس هناك ما نخاف منه
نؤدي دورنا كما يفترض و كما يجب أو هكذا نظن أننا نؤدي هذا الدور كما يكسبنا رضى الله؟
تجول و لن يقف في طريقك أحد فقط ما أريده منك قبلما
تغادر هو أن تزودني و إذا أردت بما تراه من ملاحظات هذا من باب طلب المساعدة
منك و ليس شرطا أو أمرا ،، ملاحظاتك حتما سوف تساعدني كثيرا
في خدمة و أداء أفضل فمن المعتاد أن الغريب
أو الزائر للمكان ربما رأى أشياء قد لا نراها نحن أهل المكان.
هكذا كانت واقعية الدكتور (رجب عبد الحكيم بريسالي)
مدير مستشفى الصحة النفسية بالطائف.
التى حمستنى للقاء هؤلاء الذين يطلقون عليهم " مجانين ".
اعتقاد خاطئ
لم تمض لحظات حتى تبين لي بالفعل أن كثيرا منا يفهم هؤلاء بالخطأ،
فالصورة في الأذهان معكوسة وليس لها علاقة بالواقع المعاش،
رأيت أمامى مبدعين.. فنانين و شعراء وحرفيين.
لم أشعر بأنني في مستشفى وإنما في ورش و معامل للنجارة و الكهرباء
و هناك مرسم و لوحات و تشكيل و مسرح يجسد المبدعون على خشبته
مسرحيات لا يفترض أن تكون أسيرة هذه القاعة،
وتساءلت في هذه اللحظة أين التنشيط السياحي عن هذه البرامج..
لماذا لا يقام معرض فني و حرفي لهؤلاء الناس؟
حكاية لوحة
قال أحدهم: أتعامل مع الألوان والريشة وارسم بها إحساسي
ويؤلمني أن الذي يرى لوحتى وينتقدها هم زملائي فقط،
ما الذي يمنع أن تكون هذه اللوحة على حائط المعارض
التي تقام في متحف (شبرا) أو في فعاليات التنشيط السياحي؟
هل من يقيم في هذا المستشفى لا حق له في العيش كبقية الناس؟
إلى متى ينظرون إلينا على أننا مجانين؟
هل رأيت على تصرفاتي ما يشير بذلك؟
هل وجدت في حديثي معك ما يجعلك تصنفني كفاقد عقل و إحساس؟
اننى أصلي وأصوم واؤدي فرائض الله كما يؤديها الآخرون؟
هذه لوحتي و فيها استرجع شارعا من شوارع الحي
الذي عشت فيه ..هنا يتدخل مدير المستشفى الدكتور (رجب)
قائلا: هذا و غيره كما سوف تلتقي بهم ليس إلا ضحية أسرهم
أو أبنائهم أو أخوتهم فلم يعد أحد منهم يسأل عنهم؟
هذا الرجل من الحالات التي تماثلت للشفاء تماما
لكن و لا أحد يود استلامهم من المستشفى بل لم يعد أحد يزورهم منذ سنوات.
و هذا ضحية أخرى مضى عليه أكثر من عشر سنوات ورغم
محاولاتنا في إقناع ذويه لكي يحملوه من هنا
إلا أن كل محاولاتنا باءت بالفشل،
ويواصل المدير: الدراسات النفسية أثبتت أن علاج المرضى النفسيين
يتحقق من خلال دمجهم داخل الأسرة وهذه حقيقة
لا يود الكثير من أهل هؤلاء المرضى الاقتناع بها؟
وهو ما يؤدي إلى إجهاض كافة جهودنا و تدخل الحالة
في انتكاسة شديدة، وما هذه المناشط والفعاليات الفنية
التي نقيمها هنا إلا محاولة لتعويض المريض عن ذلك الدمج.
الطائر البحري
توقفت أمام لوحة لطائر بحري متحفز للانطلاق
وكأن النزيل الفنان الذي رسمها بالفعل يود الانطلاق في أفق الحياة،
فالنزيل ليس في سجن و لا يقبع خلف أبواب مغلقة أو تقيده
أغلال عدا أغلال الجحود من أسرته وهو ما أكده صاحب اللوحة
عندما قال بمرارة: هذا الطائر البحري (أنا) أنظر إنه
يتلفت باحثا عن عشه هو لا يجهل مكان العش لكن ما عاد العش
مكانه و حضنه الذي يغريه؟ فهل سمعت عن (عش) يطرد طائرا بناه؟
أنا الطائر... أنا الطائر.. لكن لم يعد بي حاجة للتحليق.
عشر سنوات وربما أكثر ظللت خلالها أطلب من قريبي
الخروج لكنه كان يماطلني؟ قريبي هذا ولا أريد أن أسميه
لا يتذكرني إلا عندما يحين موعد استلام المستحقات
التي يصرفها لي المستشفى جزاهم الله خيرا،
حيث يأتي هذا القريب في موعد الصرف و يتظاهر
أنه قادم لإخراجي فيذهب بي إلى البنك و يأخذها بحجه
أنه يحفظها لي ثم يعيدني إلى المستشفى على أساس
أنه سيأتى غدا و يعيدني إلى البيت لكنه لا يعود إلا في موعد استلام تلك الحقوق،
ولم أعد سوى بقرة حلوب لقريبي هذا الذي يستفيد ماديا
من بقائى هنا، فمن (المجنون) أسألك بالله؟
أحمد ربي أننى أعيش هنا مكرما و مرتاحا لكنني
أود الخروج لتمضية بقية عمري بين أهلي، فأنا أحبهم لكن لا أدري ماذا أصابهم ؟
و صرت ممثلا
ما كنت أحب التمثيل و ما خطر ببالي أن أقف في يوم ما على
خشبة المسرح قط؛ لكن مواقف الناس و تصرفاتهم معي
جعلتني أعشق هذا المجال، فالناس ترفض الوضوح
و تتألم من الإنسان الصريح و يحبون من يكذب عليهم و
يجيد التمثيل عليهم، لاحظت ذلك من خلال الأزمة النفسية التي مررت بها
و أحمد الله أن عشت تلك التجربة فقد كشفت لي حقائق
أقرب الناس لي وأوضحت لي زيف مشاعرهم، كانوا
يمثلون علي و قد جاء الدور لكي أتقن هذا الجانب، لكنني
لا أفكر أن استغل أحدا أو أسيء إلى أي من أولئك الذين خدعوني في يوم ما.
http://www.okaz.com.sa/okaz/myfiles/2008/11/29/b70-big.jpg
جولة وتصوير - حسين الحجاجي
أين الاولاد و الأحبة و الأقارب؟ أين من نتلهف لرؤيتهم حتى و إن جحدوا؟
لماذا لايتذكرونا ولو حتى في المناسبات؟ كم نتمنى العودة إلى الأهل والدار..
لا تتركونا بهكذا نكران.. ولا تهربوا بعيدا عنا وكأننا مرضى بالجرب أو الجذام ..
تساؤلات كثيرة تتردد في مستشفى الأمراض النفسية في شهار
تحمل معاناة هؤلاء الذين يحتاجون فقط إلى دفء السؤال عنهم والاطمئنان على صحتهم
من قبل الأهل والأحباب. نحن مرضى... صحيح،
لكن نصف علاجنا أن لم يكن كله بالقرب من الآخرين،
فالعزلة تقتلنا. هكذا قال أحدهم ثم انسل مختبئا يكفكف دموع رجل
يحترق لبيته ويذويه الحنين لأسرته. ويضيف أبوعبدالرحمن "موظف متقاعد"
قائلا: لو كنت مسؤولا في وزارة الصحة لقدمت لمن يرعى هؤلاء الناس
هنا مميزات خاصة ولكرمتهم معنويا وماديا كل عام؛
كان أداء المستشفى وخدماته دون المستوى المنشود،
لأن وزارة الصحة في الماضى كانت تتعامل مع المستشفى
كمنفى ولهذا التصقت بالمستشفى سمعة سيئة لا تناسب دوره لكن ذلك الوضع تغير الآن .
في غرفة المدير
لم يكن مكتبه لكن الموظف الذي استقبلني قال:
إن كنت في عجلة فيمكنك أن تلتقي به في القسم الإداري من المستشفى فهو يتجول..
نظرت إلى (لوحة) وضعت في مدخل الادارة تحدد برامج العمل اليومي لمدير المستشفى
وبالفعل كانت تلك الساعة ضمن البرنامج المحدد وصدق من كان يحدثنى.
استوقفني (صالح لاحق الشبرمي) يأتى من وقت لآخر لزيارة
أحد أصدقاء والده القدامى من باب البر بأبيه فقط وقا
: بعض النزلاء هنا تركهم أولادهم منذ سنوات طويلة ولم يعد يكترث لأمرهم أحد
لا يسألوا عنهم مطلقا و المشكلة أن بعضهم قد تعافى تماما
ولم يعد يعاني من أي أعراض أو سلوكيات نفسية. ويتابع صالح:
أشاهد هؤلاء الناس ولكني عاجز عن تقديم أية خدمة لهم
و المرة الأولى التي تعاطفت مع بعضهم حينما أعطوا
صديق والدي أرقاما لهواتف أبنائهم أو عناوين اخوانهم
وبعض أقاربهم طالبين مني الاتصال بذويهم و إبلاغهم بسرعة الحضور لإخراجهم.
أقاطعه.. وهل استجاب أو تفاعل أحد معك وماذا كانت رسائلهم تحمل؟
يجيبنى صالح: أحدهم أعطاني رسالة لابنه (الموظف الكبير)
حينما قرأتها بكيت، فهذا الأب لم يأت أبنه لزيارته
منذ عشر سنوات وأن سبب بقائه فى المستشفى
زوجة ابنه التي أجبرته على التخلص منه هنا،
ولولا أنني مؤتمن لذكرت اسم ذلك الابن العاق لكن أعذرني.
أما الآخر والذي كتب لأخيه قصيدة شعر يعاتبه فيها
على عدم زيارته و يسأله فيها عن أمه، و يرجوه أن يأتى
و يخرجه فقط لكي يري أمه العجوز قبل وفاتها أو على الأقل يحضرها إليه.
ويستطرد صالح.. كما أن صديق والدي أحد الذين يعانون
من الجحود والنكران من أقرب الناس اليه،
فالرجل مر بحالة نفسية نتيجة لإحساسه بالقهر تجاه
موقف لا أستطيع التحدث عنه ولقد حاولت التدخل في موضوعه لكنني تعرضت لمشاكل صعبة.
ويتوقف صالح برهة ويستأنف الحديث: توصلت لبعض
أولئك الأقارب فمنهم من رفض حتى مقابلتي حينما أبلغته
أنني أحمل شيئا من والده أو أخيه النزيل هنا و منهم من شتمني
ووصفني بالملقوف وهناك من هددني حينما التقيت به في حين رفض أحدهم
حتى الحديث معي بحجة أنني أتكلم مع الشخص الخطأ
مدعيا بأنه لا أحد له في ذلك المستشفى،
فقط شخص واحد شكرني ووعدني خيرا واستمع لي.
توجهت إلى المدير وبادرنى قائلا: هات ما لديك، أعتقد أنك تجولت
بما يكفي ورأيت ما يستوجب لقاءك بي الآن، المستشفى
أمامك تنقل فيه كما تشاء ليس هناك ما نخاف منه
نؤدي دورنا كما يفترض و كما يجب أو هكذا نظن أننا نؤدي هذا الدور كما يكسبنا رضى الله؟
تجول و لن يقف في طريقك أحد فقط ما أريده منك قبلما
تغادر هو أن تزودني و إذا أردت بما تراه من ملاحظات هذا من باب طلب المساعدة
منك و ليس شرطا أو أمرا ،، ملاحظاتك حتما سوف تساعدني كثيرا
في خدمة و أداء أفضل فمن المعتاد أن الغريب
أو الزائر للمكان ربما رأى أشياء قد لا نراها نحن أهل المكان.
هكذا كانت واقعية الدكتور (رجب عبد الحكيم بريسالي)
مدير مستشفى الصحة النفسية بالطائف.
التى حمستنى للقاء هؤلاء الذين يطلقون عليهم " مجانين ".
اعتقاد خاطئ
لم تمض لحظات حتى تبين لي بالفعل أن كثيرا منا يفهم هؤلاء بالخطأ،
فالصورة في الأذهان معكوسة وليس لها علاقة بالواقع المعاش،
رأيت أمامى مبدعين.. فنانين و شعراء وحرفيين.
لم أشعر بأنني في مستشفى وإنما في ورش و معامل للنجارة و الكهرباء
و هناك مرسم و لوحات و تشكيل و مسرح يجسد المبدعون على خشبته
مسرحيات لا يفترض أن تكون أسيرة هذه القاعة،
وتساءلت في هذه اللحظة أين التنشيط السياحي عن هذه البرامج..
لماذا لا يقام معرض فني و حرفي لهؤلاء الناس؟
حكاية لوحة
قال أحدهم: أتعامل مع الألوان والريشة وارسم بها إحساسي
ويؤلمني أن الذي يرى لوحتى وينتقدها هم زملائي فقط،
ما الذي يمنع أن تكون هذه اللوحة على حائط المعارض
التي تقام في متحف (شبرا) أو في فعاليات التنشيط السياحي؟
هل من يقيم في هذا المستشفى لا حق له في العيش كبقية الناس؟
إلى متى ينظرون إلينا على أننا مجانين؟
هل رأيت على تصرفاتي ما يشير بذلك؟
هل وجدت في حديثي معك ما يجعلك تصنفني كفاقد عقل و إحساس؟
اننى أصلي وأصوم واؤدي فرائض الله كما يؤديها الآخرون؟
هذه لوحتي و فيها استرجع شارعا من شوارع الحي
الذي عشت فيه ..هنا يتدخل مدير المستشفى الدكتور (رجب)
قائلا: هذا و غيره كما سوف تلتقي بهم ليس إلا ضحية أسرهم
أو أبنائهم أو أخوتهم فلم يعد أحد منهم يسأل عنهم؟
هذا الرجل من الحالات التي تماثلت للشفاء تماما
لكن و لا أحد يود استلامهم من المستشفى بل لم يعد أحد يزورهم منذ سنوات.
و هذا ضحية أخرى مضى عليه أكثر من عشر سنوات ورغم
محاولاتنا في إقناع ذويه لكي يحملوه من هنا
إلا أن كل محاولاتنا باءت بالفشل،
ويواصل المدير: الدراسات النفسية أثبتت أن علاج المرضى النفسيين
يتحقق من خلال دمجهم داخل الأسرة وهذه حقيقة
لا يود الكثير من أهل هؤلاء المرضى الاقتناع بها؟
وهو ما يؤدي إلى إجهاض كافة جهودنا و تدخل الحالة
في انتكاسة شديدة، وما هذه المناشط والفعاليات الفنية
التي نقيمها هنا إلا محاولة لتعويض المريض عن ذلك الدمج.
الطائر البحري
توقفت أمام لوحة لطائر بحري متحفز للانطلاق
وكأن النزيل الفنان الذي رسمها بالفعل يود الانطلاق في أفق الحياة،
فالنزيل ليس في سجن و لا يقبع خلف أبواب مغلقة أو تقيده
أغلال عدا أغلال الجحود من أسرته وهو ما أكده صاحب اللوحة
عندما قال بمرارة: هذا الطائر البحري (أنا) أنظر إنه
يتلفت باحثا عن عشه هو لا يجهل مكان العش لكن ما عاد العش
مكانه و حضنه الذي يغريه؟ فهل سمعت عن (عش) يطرد طائرا بناه؟
أنا الطائر... أنا الطائر.. لكن لم يعد بي حاجة للتحليق.
عشر سنوات وربما أكثر ظللت خلالها أطلب من قريبي
الخروج لكنه كان يماطلني؟ قريبي هذا ولا أريد أن أسميه
لا يتذكرني إلا عندما يحين موعد استلام المستحقات
التي يصرفها لي المستشفى جزاهم الله خيرا،
حيث يأتي هذا القريب في موعد الصرف و يتظاهر
أنه قادم لإخراجي فيذهب بي إلى البنك و يأخذها بحجه
أنه يحفظها لي ثم يعيدني إلى المستشفى على أساس
أنه سيأتى غدا و يعيدني إلى البيت لكنه لا يعود إلا في موعد استلام تلك الحقوق،
ولم أعد سوى بقرة حلوب لقريبي هذا الذي يستفيد ماديا
من بقائى هنا، فمن (المجنون) أسألك بالله؟
أحمد ربي أننى أعيش هنا مكرما و مرتاحا لكنني
أود الخروج لتمضية بقية عمري بين أهلي، فأنا أحبهم لكن لا أدري ماذا أصابهم ؟
و صرت ممثلا
ما كنت أحب التمثيل و ما خطر ببالي أن أقف في يوم ما على
خشبة المسرح قط؛ لكن مواقف الناس و تصرفاتهم معي
جعلتني أعشق هذا المجال، فالناس ترفض الوضوح
و تتألم من الإنسان الصريح و يحبون من يكذب عليهم و
يجيد التمثيل عليهم، لاحظت ذلك من خلال الأزمة النفسية التي مررت بها
و أحمد الله أن عشت تلك التجربة فقد كشفت لي حقائق
أقرب الناس لي وأوضحت لي زيف مشاعرهم، كانوا
يمثلون علي و قد جاء الدور لكي أتقن هذا الجانب، لكنني
لا أفكر أن استغل أحدا أو أسيء إلى أي من أولئك الذين خدعوني في يوم ما.