أبو عزام
05-30-2010, 05:51 PM
أكذوبة النفس ( الدائمة الوقت يا هذا لا يكفي ) .. ( عندي من المشاغل غير ما أنتم مشتغلون به ) .. ( لا تعلمون مشاغلي كم هي كثيرة متعددة ) .. ( لو كنتم فيما أنا فيه لعلمتم مقدار أشغالي و انشغالاتي ) ( أو أي كذبة جاهزة [ ماني فاضي ] )
هي نفس كذوبة متعلقة بالهين المُلْهي غيرِ المُجْدي .. فإن ابتدرتها بما يرفع شأنها و يُعْلي قدرها بادرتك بالوهم و أشغلتك بالدون عن القمم ، يا نفس إن الوقت لتسألين عنه يوما فكوني على حذر ، و ازرعي لنفسك ما تُسرين به يوم الحصاد في موقف يشيب منه الوليد و تنشغل من هوله المرضعة عما أرضعت و يهرب الوالد عن وليده و تشتغل كل نفس بما قدمت ـ أستغفرك ربي و أتوب إليك ـ
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه *()* و أراه أسهل ما عليك يضيع
الوقفة الثالثة / النفس و الوقت .
كنتُ أفكر بعقلي الذي خلقه الله في رأسي أو قلبي أو أي موضع من جسدي اُختُلف في تحديد مكانه و كيفية عمله ، و لا يُهِمُّ أين هذا العقل و كيف يعمل ، لكنني على كل حال كنتُ أفكر فحسب ، أفكر في النَّفَس ، في الفكرة ، في انتقال الأفكار التي أفكر فيها ، في تعددها ، و اختلافها ، و هذه السرعة الرهيبة في التنقل من فكرة إلى فكرة ، حتى أنه لا يوجد أي رابط بين تلك الأفكار ، إلا رابط تواجدها في هذا العقل ، أعتقد أن تفكيري أحيانا يكون معتمدا على منطق بعيد عن قدرتي الكتابية أو الكلامية التي تمكنني من إيضاح الأفكار التي أفكر فيها في لحظة محددة ، حتى لو استطعتُ كتابة هذه الأفكار التي تدور بداخلي فإنني لا أفضل كتابتها ، لأنها و بكل سهولة ، متراوحة ـ بين ـ الفكرة الدنيئة الوضيعة المرتذلة الهابطة و هذه لا أحب ذكرها لشناعتها و سوداويتها ، و لو أنني كتبتها لاستحقَّ ذلك الكاتب أن يصح فيه قول القائل : و من لا يُكرم نفسه فلا أكرم الله من أكرمه ـ و بين ـ الأفكار السامية العالية الموصلة للنجاة من المهالك الدنيوية و الأخروية ، و هذه لا أحب ذكرها ؛ لعلمي بأن الوصول إليها يحتاج من عمل الجوارح و إرغام هذه النفس الشيء الكثير ، و ربما سخر من حولي لبعد المقال عن الحال .
سبحان الله و لا إله إلا الله ، قد أنعم على الإنسان بهذا المقدار من المخالفة ، حتى يصح فيه قوله سبحانه و تعالى :"و هديناه النجدين " ـ إن صح استخدامي للآية في هذا الموضع ـ . فيا نفسُ ما لك و ما بك و ما أعجبك و ما أغربك ؟!! و ربما أكون مفكرا في أمر و أسرح بكل أحاسيسي فيه و من شدة انغماسي في التفكير يظهر الأثر على ملامحي ، فإن بادرني من حولي : يا ـ أبو عزام ـ .. في أي شيء تفكر ؟ طار كل ما أفكر فيه و ربما حتى أنا لا أعلم في أي أمر كنت أفكر !!
و في الروح لابن القيم الجوزية ـ رحمه الله ـ في المسألة الخامسة :" وقد وصفها الله سبحانه و تعالى بالدخول ، و الخروج ، و القبض ، و التوفي ، و الرجوع ، و صعودها إلى السماء ، و فتح أبوابها لها ، و غلقها ، فقال تعالى :" و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم " و قال تعالى :" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي " . و هذا يُقال لها عند المفارقة للجسد . و قال تعالى :" و نفس و ما سواها * فألهمها فجورها و تقواها " . فأخبر أنه سوى هذه النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله تعالى :" الذي خلقك فسواك فعدلك " فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه ، بل سوى بدنه كالقالب لنفسه ، فتسويته بالبدن تابع لتسوية النفس ، و البدن موضع لها كالقلب لما هو موضع له " انتهى .
قلتُ : فالنفس هي الروح التي نفخها الله سبحانه و تعالى في أبينا آدم ثم هذا القول ـ إن النفس هي الروح ـ هو ما قال به ابن القيم الجوزية إذ قال الله تعالى :" الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى إلى أجل مسمى " . قلتُ :قال الله تعالى :" و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا " فالكلام عن النفس شائك صعب له مداخل و مخارجه صعبة ، لكن التفكر أمر محمود إن عاد على صاحبه بمعرفة حجمه و معرفة قدراته فألجمها لجامها أو دار مع فكره حتى يعود لخالقه و يُنيب لباريه و مبدعه .
النفس و الوقت هو عنوان هذه الوقفة ، لكن الحديث عن واحد منهما منفردا عن صاحبه يحتاج للكثير من الكتابة و الكثير من المعرفة ، و لستُ في حاجة لأن أقول : إنني لستُ بأهل لتلك المعرفة ؛ فذم النفس على ملأ ضربٌ من المهالك ، ينجو منه القليل . فاللهم أخلص النية و سدد الخطى ، إن أريد إلا إفادة النفس أولا ثم إفادة من أظنهم يستفيدون من أخ لهم و إن كان منهم من هو أعرف منه بما يقول .
تهرب النفس لتسرق من الوقت المصروف في طاعة الله لتأخذك إلى ما لم تكن تفكر فيه قبل هذه الطاعة ، و ما الصلاة و مداخلات النفس فيها إلا دليل حاضر يُنبئك أن عليك المراجعة و الوقوف مع هذه النفس ، فقد ضحك علينا خنزب كثيرا و أخذ من اتصالك بربك فشتت الذهن و صرفك عن المناجاة و الذكر فربما خرجتَ من صلاتك بنصفها بربعها بثلثها بخمسها أو تعود إليه تدعو :" ضيعك الله كما ضيعتني "
إنها صورة بين النفس و الوقت .
فكرتُ لو أن أمرا أجبرني على الانفراد بنفسي خاليا وحيدا . ما ذا أصنع و كيف أفكر ؟ و في أي شيء أفكر ؟ و ماذا أذكر ؟
بل فكرتُ لو أنني مِتُّ ثم أُريد لي العودة لوقت الحصاد فماذا سأصنع ؟ و على أي شيء أبكي كنتُ أصنعه يرفع من قدري عند ربي ؟
و لأي شيء أريد العودة إليه كان ينعشني و يُريح بالي و نفسي ؟
فوجدتُ الإجابة هزيلة إن قلبتَها لم تجد للعودة إلى الدنيا كبير فائدة ، ترفعك عند ربك ، فسأبكي على أبنائي و جلساتِ صداقة ليس فيها ذكر و لا خير بل إضاعة للوقت في غير صالح ، و ربما على إخوتي و زوجي و أمي على الرغم من انشغال كل فرد منهم بما هو فيه ، و ربما على فعلة خير و لم أجدها نافعة مجدية .
و فكرتُ في الأمور التي أريد الابتعاد عنها إن عُدتُ للدنيا ، يستقيم بتركها حالي و يُقربني تركها إلى ربي فوجدتها كثيرة .. إنها أفكار نفسية داخلية في لحظة وجيزة ، يُحركها القلب و يُسعفها الخيال و يُوقدها بعض من مراقبة النفس . و الجوارح بعد ذلك تُصدق أو تكذب و بالله المستعان و الحقيقة كل إنسان بما عمل ـ من غيره ـ أعلم و يعود الأمر إلى :" بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره "
مررتُ بموقفين بكيتُ فيهما بكاء ـ طبعيا ـ كل إنسان لو مر بهما سيبكي ـ بحكم الطبع ـ لكنهما ما زالا يؤثران في نفسي تأثيرا كبيرا ، و ربما كان سبب بكاء نفسي في الموقفين هو بكاء من حولي و أخبركم بموقف بصورة مبسوطة /
: ( المولودة ) :
في المستشفى مولودة لأحد إخواني ، خرجتْ للدنيا و لها ما يُقارب ثلاث ساعات في هذه الحياة ، حضرتُ إلى المستشفى مع أخي الأكبر ، و الفرحة تحملنا ، و الابتسام و البشر على محيانا ، نبارك لأخينا : رُزقتَ الموهوب و شكرت الواهب و بلغ أشده و رُزقت بره . و رأيت على ملامح أخي بعض خوف و شيئا من قلق و كأنني أرى ملامحه الآن أنظر إليها ، و هو يجمع قواه و يتظاهر ببعض تماسك ، أجزم أن قلبه يكاد ينفطر بل قد انفطر ، كنا في ساحة الدور الأرضي للمستشفى و هو بين فترة و أخرى يصعد ثم ينزل
و السؤال منا : ها بشر ؟ فيقول : الله يستر .
صعدتُ معه لغرفة الحضانة .
و رأيت الطفلة المولودة و رأيت جسدها الصغير و قد أدخل في فمها ( ليٌّ )؛ لمساعدتها على التنفس الصناعي ،
و أسأل الممرضة : ها كيف يا سستر ؟ فتقول : اسألوا الدكتورة .
كنتُ أراقب الأجهزة الطبية مراقبة بالرغم من عدم علمي بما تقوله أو تُشير إليه تلك الأجهزة ، لكن هناك شاشة تلفزيونية صغيرة ، المؤشر فيها يطلع و ينزل ، كما هو حال مؤشرات تخطيط القلب ، و الدكتورة تشرح بعض دلالات هذه العلامات التي ما فهمتُ منها إلا الخاتمة و الزبدة
تقول : ممكن تعيش و ممكن تموت . ثم تابعت قولها : أنا بنفسي ما أدري يمكن أسقط من طولي و أطيح ميتة . و تابعت : الأعمار بيد الله .
فعرفتُ أن الموت منها أقرب من الحياة ـ و الأعمار بيد الله ـ عُدت لهذه المولودة أنظر إليها ، بطنها ينتفخ و ينخفض كمعليتي الشهيق و الزفير لكن الشهيق شهيقا صناعيا ؛ بسبب ( لي ) التنفس الموضوع في فمها ، و الزفير أسمعه ؛ بسبب شدة خروج الهواء من داخل بطن هذه المولودة ، كأن زفيرها شخيرا ، و مرة تتحرك يدها ، و مرة تتحرك رجلها ، لكن كل هذا بسبب التنفس الصناعي ، و أنا على هذه الحال , أسمع بجواري شهيق و زفير والدها ، يكاد ينطق ألما يكاد يقول خذوا من عمري و هبوها ، و كلما دخل لزوجه في غرفتها عاد أكثر تأثرا و يعود غاسلا وجهه ببعض قطرات ماء علها تطفئ ما في القلب من حرقة على مولودته التي انتظرها تسعة أشهر أو يزيد ، و تسعة أشهر بين ألم و أمل .
و ها هو أمل يئن تحت سطوة خوف تمثل كغول يغرز أنيابه في جسدِ فرحةٍ الآن تولد ، لمستُ يدها الصغيرة الناعمة و تحركت مشاعري حُزنا على أن يكون إعلان مولدها إعلانا لوفاتها ، فربما غادرت دنيانا دون أن تبتسم دون أن تبكي ، فكانت قصتها من مولدها إلى مقبرتها ، في ساعات [ كان هذا حديثي مع نفسي ] . و الواقع يقول ، مكثنا من المغرب حتى الساعة الواحدة ليلا ـ الحمد لله ـ الأجهزة الطبية ما زالت تُشير إلى وجود حياة ـ و ما يُدريك لعل الله كتب لها الحياة ـ و أصبحت ساعات الغم فرحة ـ فكل شيء بأمر الله سبحانه و تعالى .
خرجتُ من المستشفى لإيصال الأهل للبيت ، و الحديث يدور في السيارة عن الطفلة ، و نحن على هذه الحال ، من تبادل الحديث و الحوار ، رنَّ جرس الجوال ـ دقات قلبي كما هي لم تتغير ـ
رددتُ و قلتُ : السلام عليكم .
المتصل ( لا أسمع كلامه جيدا ، أظنه كان يختنق بالعبرة و البكاء يغالبه ، يريد أن يقول لكن الذي يشعر به منعه من القدرة على الكلام )
و في الأخير ـ نادى اسمي ـ وقال : روح المستشفى بنت أخويا ماتت .
قلتُ : طيب مع السلامة .. و انتهت المكالمة عند .. [ بنت أخويا ماتت ]
عُدتُ للمستشفى ، و العيون التي كانت محملة بالدمع ما قويت على مزيد من التحمل ، فهل الدمع غزيرا ، و الموقف موافق لقول أبي الفداء :
هي دمعة تلتها أختها .. غالبتُها لكنني قسرا غُلبت .
و بعد تغسيل الطفلة توجهنا للصلاة عليها في المسجد الحرام ، و كانت الطفلة الميتة بين يدي ، بين أضلعي ، و قريبة من قلبي ، كنتُ أقول لنفسي : ضم ميتة لقلبِ لعل ميتة تُحيي ميتا ... كل الذين أعرفهم من حولي يبكون .. و أنا مثلهم أبكي و حديث نفسي يقول : هذا كفنها مهدا لها ، ما عصتْ و ما أذنبت و ما كذبت و لا خانت فأنتَ أحق بالبكاء على نفسك من البكاء عليها . و الذين يمشون في الحرم ينظرون إلي و أيدي بعضهم تُشير نحوي ؛ فقد كنتُ أجلس على أحد الدّرجان المنتشرة في الحرم ، عندها سمعت الأذان ، كأنني لم أسمعه من قبل .
لا زلتُ أذكر قبرها و منظر جثمانها الصغير لم يكن يتعدى طولها ثلاثة أشبار ، و بقيتْ هناك طفلة مولودة صغيرة وحيدة ما دخل جوفها نقطة حليب .. لكنها غادرت ، و القبر أول منزل بالله قل لي ما يكون .
و بعد هذا الموقف عادت النفس إلى ما كنت عليه كأن الأمر لا يعنيها .
و الموقف الثاني ، و فاة أبي رحمه الله و تغمد روجه الجنة و غفر الله له و تجاوز عن سيئاته ، أذكر أنني وقفتُ على قبره أدعو : اللهم ليس لي عمل صالح أدعو به ، و إنني لأستحي و أنا أدعوك ، يا رب ليس لي رب سواك فأدعوه ، اللهم اغفر لأبي و ارحمه و تجاوز عن سيئاته ، اللهم إنك كتبتَ على نفسك الرحمة فارحمه ، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنه .
ما زلتُ أذكر جثمانه رحمه الله ممتد في الغرفة ، و المعزيين .
و يا لها من نفس سريعة الاغترار و النسيان ، غرها طول الأمل ، إنها تأثرات وقتية .
تأملتُ السابقين و كثرة تأليفهم و استفادتهم من أوقاتهم فعندهم " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك " و لأننا ما عرفنا السيف و أثره ، و نعرف أكثر السكين في المطبخ و تقطيعه الدجاج أكثر من أثر السيف ، و لم يصدق فينا : من رأى أثر السيف فقد رأى أكثره . و المثل الأقرب لنا : الوقت كالساطور إن لم تقطعه قطع اللحم و هشم العظام .
ثم إن فاق الإنسان و أراد الاستفادة من الوقت و المحافظة عليه ، و همته تدعوه لصرف بعضه في طاعة ، دخلت عليه النفس من مدخل همته ، فجاءت إليه ، بمئة عمل صالح ، من قراءة قرآن و حفظه و قراءة التفسير و التوحيد و الفقه و الحديث ، و زيارة أقارب و صلة رحم ، و نهي عن المنكر و أمر بالمعروف ، و تربية الأبناء و مناصحة الإخوان و الجيران ، و أشعلت فيه الغيرة على محارم الله ، و زرعت فيه حب الصدقة و الصوم ، و كثرة الصلاة و قيام الليل ، و الدعاء و أهمية الأذكار في الصباح و المساء ، و سماع الأشرطة النافعة و نشرها ، و قالت : عليك بالبحث في كتب العقيدة الواسطية و التدمرية ، و قوِّم لسانك و تعلم اللغة و النحو و الصرف ؛ فإنها معينة على البيان و إيصال الحق لمن تريد ، و احفظ الأشعار و الحكم و الأمثال . و حثته على مطالعة أصول الفقه و تخريج الأحاديث و زينت له الدخول في الجرح و التعديل ، و معرفة الرجال و عظمت نفسه لنفسه حتى يخرج من كل هذه الأفكار ـ لمجرد التفكير ـ أنه أصبح من أولياء الله الصالحين ، و صار من ليلته إن أقسم على الله لأبره ، أو أنه ينظر لكثرة هذه الأبواب فيقع في تشتت الهمة و انبهار الذهن ، فيقول : ما عساني أصنع مع كل هذا ؟! أو إن سعَ في بعض شيء من خير ، خلقتْ له التضارب بين الأعمال الصالحة ، فإن أراد زيارة الأقارب ، زينت له قراءة القرآن ، و إن أراد التصدق ، أبانت له فضل الإنفاق على الأبناء ، و إن أراد برَّ والديه أظهرت له أهمية الانتهاء من مهام عمله و قالت : العمل أمانة ..فيخرج من كل هذا بـ [ العالم الفلاني أخطأ و المسألة الفلانية فيها خمسة عشر قولا و يقاتل عليها و يُرجح و يقول : كلٌّ يؤخذ من كلامه و يُرد ]
خاتمة الوقفة الثالثة : نسدد و نقارب و العمل منوط بهمة و الباعث النية و الجوارح تصدق أو تكذب .
هي نفس كذوبة متعلقة بالهين المُلْهي غيرِ المُجْدي .. فإن ابتدرتها بما يرفع شأنها و يُعْلي قدرها بادرتك بالوهم و أشغلتك بالدون عن القمم ، يا نفس إن الوقت لتسألين عنه يوما فكوني على حذر ، و ازرعي لنفسك ما تُسرين به يوم الحصاد في موقف يشيب منه الوليد و تنشغل من هوله المرضعة عما أرضعت و يهرب الوالد عن وليده و تشتغل كل نفس بما قدمت ـ أستغفرك ربي و أتوب إليك ـ
الوقت أنفس ما عنيت بحفظه *()* و أراه أسهل ما عليك يضيع
الوقفة الثالثة / النفس و الوقت .
كنتُ أفكر بعقلي الذي خلقه الله في رأسي أو قلبي أو أي موضع من جسدي اُختُلف في تحديد مكانه و كيفية عمله ، و لا يُهِمُّ أين هذا العقل و كيف يعمل ، لكنني على كل حال كنتُ أفكر فحسب ، أفكر في النَّفَس ، في الفكرة ، في انتقال الأفكار التي أفكر فيها ، في تعددها ، و اختلافها ، و هذه السرعة الرهيبة في التنقل من فكرة إلى فكرة ، حتى أنه لا يوجد أي رابط بين تلك الأفكار ، إلا رابط تواجدها في هذا العقل ، أعتقد أن تفكيري أحيانا يكون معتمدا على منطق بعيد عن قدرتي الكتابية أو الكلامية التي تمكنني من إيضاح الأفكار التي أفكر فيها في لحظة محددة ، حتى لو استطعتُ كتابة هذه الأفكار التي تدور بداخلي فإنني لا أفضل كتابتها ، لأنها و بكل سهولة ، متراوحة ـ بين ـ الفكرة الدنيئة الوضيعة المرتذلة الهابطة و هذه لا أحب ذكرها لشناعتها و سوداويتها ، و لو أنني كتبتها لاستحقَّ ذلك الكاتب أن يصح فيه قول القائل : و من لا يُكرم نفسه فلا أكرم الله من أكرمه ـ و بين ـ الأفكار السامية العالية الموصلة للنجاة من المهالك الدنيوية و الأخروية ، و هذه لا أحب ذكرها ؛ لعلمي بأن الوصول إليها يحتاج من عمل الجوارح و إرغام هذه النفس الشيء الكثير ، و ربما سخر من حولي لبعد المقال عن الحال .
سبحان الله و لا إله إلا الله ، قد أنعم على الإنسان بهذا المقدار من المخالفة ، حتى يصح فيه قوله سبحانه و تعالى :"و هديناه النجدين " ـ إن صح استخدامي للآية في هذا الموضع ـ . فيا نفسُ ما لك و ما بك و ما أعجبك و ما أغربك ؟!! و ربما أكون مفكرا في أمر و أسرح بكل أحاسيسي فيه و من شدة انغماسي في التفكير يظهر الأثر على ملامحي ، فإن بادرني من حولي : يا ـ أبو عزام ـ .. في أي شيء تفكر ؟ طار كل ما أفكر فيه و ربما حتى أنا لا أعلم في أي أمر كنت أفكر !!
و في الروح لابن القيم الجوزية ـ رحمه الله ـ في المسألة الخامسة :" وقد وصفها الله سبحانه و تعالى بالدخول ، و الخروج ، و القبض ، و التوفي ، و الرجوع ، و صعودها إلى السماء ، و فتح أبوابها لها ، و غلقها ، فقال تعالى :" و لو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت و الملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم " و قال تعالى :" يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي " . و هذا يُقال لها عند المفارقة للجسد . و قال تعالى :" و نفس و ما سواها * فألهمها فجورها و تقواها " . فأخبر أنه سوى هذه النفس كما أخبر أنه سوى البدن في قوله تعالى :" الذي خلقك فسواك فعدلك " فهو سبحانه سوى نفس الإنسان كما سوى بدنه ، بل سوى بدنه كالقالب لنفسه ، فتسويته بالبدن تابع لتسوية النفس ، و البدن موضع لها كالقلب لما هو موضع له " انتهى .
قلتُ : فالنفس هي الروح التي نفخها الله سبحانه و تعالى في أبينا آدم ثم هذا القول ـ إن النفس هي الروح ـ هو ما قال به ابن القيم الجوزية إذ قال الله تعالى :" الله يتوفى الأنفس حين موتها و التي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت و يرسل الأخرى إلى أجل مسمى " . قلتُ :قال الله تعالى :" و يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي و ما أوتيتم من العلم إلا قليلا " فالكلام عن النفس شائك صعب له مداخل و مخارجه صعبة ، لكن التفكر أمر محمود إن عاد على صاحبه بمعرفة حجمه و معرفة قدراته فألجمها لجامها أو دار مع فكره حتى يعود لخالقه و يُنيب لباريه و مبدعه .
النفس و الوقت هو عنوان هذه الوقفة ، لكن الحديث عن واحد منهما منفردا عن صاحبه يحتاج للكثير من الكتابة و الكثير من المعرفة ، و لستُ في حاجة لأن أقول : إنني لستُ بأهل لتلك المعرفة ؛ فذم النفس على ملأ ضربٌ من المهالك ، ينجو منه القليل . فاللهم أخلص النية و سدد الخطى ، إن أريد إلا إفادة النفس أولا ثم إفادة من أظنهم يستفيدون من أخ لهم و إن كان منهم من هو أعرف منه بما يقول .
تهرب النفس لتسرق من الوقت المصروف في طاعة الله لتأخذك إلى ما لم تكن تفكر فيه قبل هذه الطاعة ، و ما الصلاة و مداخلات النفس فيها إلا دليل حاضر يُنبئك أن عليك المراجعة و الوقوف مع هذه النفس ، فقد ضحك علينا خنزب كثيرا و أخذ من اتصالك بربك فشتت الذهن و صرفك عن المناجاة و الذكر فربما خرجتَ من صلاتك بنصفها بربعها بثلثها بخمسها أو تعود إليه تدعو :" ضيعك الله كما ضيعتني "
إنها صورة بين النفس و الوقت .
فكرتُ لو أن أمرا أجبرني على الانفراد بنفسي خاليا وحيدا . ما ذا أصنع و كيف أفكر ؟ و في أي شيء أفكر ؟ و ماذا أذكر ؟
بل فكرتُ لو أنني مِتُّ ثم أُريد لي العودة لوقت الحصاد فماذا سأصنع ؟ و على أي شيء أبكي كنتُ أصنعه يرفع من قدري عند ربي ؟
و لأي شيء أريد العودة إليه كان ينعشني و يُريح بالي و نفسي ؟
فوجدتُ الإجابة هزيلة إن قلبتَها لم تجد للعودة إلى الدنيا كبير فائدة ، ترفعك عند ربك ، فسأبكي على أبنائي و جلساتِ صداقة ليس فيها ذكر و لا خير بل إضاعة للوقت في غير صالح ، و ربما على إخوتي و زوجي و أمي على الرغم من انشغال كل فرد منهم بما هو فيه ، و ربما على فعلة خير و لم أجدها نافعة مجدية .
و فكرتُ في الأمور التي أريد الابتعاد عنها إن عُدتُ للدنيا ، يستقيم بتركها حالي و يُقربني تركها إلى ربي فوجدتها كثيرة .. إنها أفكار نفسية داخلية في لحظة وجيزة ، يُحركها القلب و يُسعفها الخيال و يُوقدها بعض من مراقبة النفس . و الجوارح بعد ذلك تُصدق أو تكذب و بالله المستعان و الحقيقة كل إنسان بما عمل ـ من غيره ـ أعلم و يعود الأمر إلى :" بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره "
مررتُ بموقفين بكيتُ فيهما بكاء ـ طبعيا ـ كل إنسان لو مر بهما سيبكي ـ بحكم الطبع ـ لكنهما ما زالا يؤثران في نفسي تأثيرا كبيرا ، و ربما كان سبب بكاء نفسي في الموقفين هو بكاء من حولي و أخبركم بموقف بصورة مبسوطة /
: ( المولودة ) :
في المستشفى مولودة لأحد إخواني ، خرجتْ للدنيا و لها ما يُقارب ثلاث ساعات في هذه الحياة ، حضرتُ إلى المستشفى مع أخي الأكبر ، و الفرحة تحملنا ، و الابتسام و البشر على محيانا ، نبارك لأخينا : رُزقتَ الموهوب و شكرت الواهب و بلغ أشده و رُزقت بره . و رأيت على ملامح أخي بعض خوف و شيئا من قلق و كأنني أرى ملامحه الآن أنظر إليها ، و هو يجمع قواه و يتظاهر ببعض تماسك ، أجزم أن قلبه يكاد ينفطر بل قد انفطر ، كنا في ساحة الدور الأرضي للمستشفى و هو بين فترة و أخرى يصعد ثم ينزل
و السؤال منا : ها بشر ؟ فيقول : الله يستر .
صعدتُ معه لغرفة الحضانة .
و رأيت الطفلة المولودة و رأيت جسدها الصغير و قد أدخل في فمها ( ليٌّ )؛ لمساعدتها على التنفس الصناعي ،
و أسأل الممرضة : ها كيف يا سستر ؟ فتقول : اسألوا الدكتورة .
كنتُ أراقب الأجهزة الطبية مراقبة بالرغم من عدم علمي بما تقوله أو تُشير إليه تلك الأجهزة ، لكن هناك شاشة تلفزيونية صغيرة ، المؤشر فيها يطلع و ينزل ، كما هو حال مؤشرات تخطيط القلب ، و الدكتورة تشرح بعض دلالات هذه العلامات التي ما فهمتُ منها إلا الخاتمة و الزبدة
تقول : ممكن تعيش و ممكن تموت . ثم تابعت قولها : أنا بنفسي ما أدري يمكن أسقط من طولي و أطيح ميتة . و تابعت : الأعمار بيد الله .
فعرفتُ أن الموت منها أقرب من الحياة ـ و الأعمار بيد الله ـ عُدت لهذه المولودة أنظر إليها ، بطنها ينتفخ و ينخفض كمعليتي الشهيق و الزفير لكن الشهيق شهيقا صناعيا ؛ بسبب ( لي ) التنفس الموضوع في فمها ، و الزفير أسمعه ؛ بسبب شدة خروج الهواء من داخل بطن هذه المولودة ، كأن زفيرها شخيرا ، و مرة تتحرك يدها ، و مرة تتحرك رجلها ، لكن كل هذا بسبب التنفس الصناعي ، و أنا على هذه الحال , أسمع بجواري شهيق و زفير والدها ، يكاد ينطق ألما يكاد يقول خذوا من عمري و هبوها ، و كلما دخل لزوجه في غرفتها عاد أكثر تأثرا و يعود غاسلا وجهه ببعض قطرات ماء علها تطفئ ما في القلب من حرقة على مولودته التي انتظرها تسعة أشهر أو يزيد ، و تسعة أشهر بين ألم و أمل .
و ها هو أمل يئن تحت سطوة خوف تمثل كغول يغرز أنيابه في جسدِ فرحةٍ الآن تولد ، لمستُ يدها الصغيرة الناعمة و تحركت مشاعري حُزنا على أن يكون إعلان مولدها إعلانا لوفاتها ، فربما غادرت دنيانا دون أن تبتسم دون أن تبكي ، فكانت قصتها من مولدها إلى مقبرتها ، في ساعات [ كان هذا حديثي مع نفسي ] . و الواقع يقول ، مكثنا من المغرب حتى الساعة الواحدة ليلا ـ الحمد لله ـ الأجهزة الطبية ما زالت تُشير إلى وجود حياة ـ و ما يُدريك لعل الله كتب لها الحياة ـ و أصبحت ساعات الغم فرحة ـ فكل شيء بأمر الله سبحانه و تعالى .
خرجتُ من المستشفى لإيصال الأهل للبيت ، و الحديث يدور في السيارة عن الطفلة ، و نحن على هذه الحال ، من تبادل الحديث و الحوار ، رنَّ جرس الجوال ـ دقات قلبي كما هي لم تتغير ـ
رددتُ و قلتُ : السلام عليكم .
المتصل ( لا أسمع كلامه جيدا ، أظنه كان يختنق بالعبرة و البكاء يغالبه ، يريد أن يقول لكن الذي يشعر به منعه من القدرة على الكلام )
و في الأخير ـ نادى اسمي ـ وقال : روح المستشفى بنت أخويا ماتت .
قلتُ : طيب مع السلامة .. و انتهت المكالمة عند .. [ بنت أخويا ماتت ]
عُدتُ للمستشفى ، و العيون التي كانت محملة بالدمع ما قويت على مزيد من التحمل ، فهل الدمع غزيرا ، و الموقف موافق لقول أبي الفداء :
هي دمعة تلتها أختها .. غالبتُها لكنني قسرا غُلبت .
و بعد تغسيل الطفلة توجهنا للصلاة عليها في المسجد الحرام ، و كانت الطفلة الميتة بين يدي ، بين أضلعي ، و قريبة من قلبي ، كنتُ أقول لنفسي : ضم ميتة لقلبِ لعل ميتة تُحيي ميتا ... كل الذين أعرفهم من حولي يبكون .. و أنا مثلهم أبكي و حديث نفسي يقول : هذا كفنها مهدا لها ، ما عصتْ و ما أذنبت و ما كذبت و لا خانت فأنتَ أحق بالبكاء على نفسك من البكاء عليها . و الذين يمشون في الحرم ينظرون إلي و أيدي بعضهم تُشير نحوي ؛ فقد كنتُ أجلس على أحد الدّرجان المنتشرة في الحرم ، عندها سمعت الأذان ، كأنني لم أسمعه من قبل .
لا زلتُ أذكر قبرها و منظر جثمانها الصغير لم يكن يتعدى طولها ثلاثة أشبار ، و بقيتْ هناك طفلة مولودة صغيرة وحيدة ما دخل جوفها نقطة حليب .. لكنها غادرت ، و القبر أول منزل بالله قل لي ما يكون .
و بعد هذا الموقف عادت النفس إلى ما كنت عليه كأن الأمر لا يعنيها .
و الموقف الثاني ، و فاة أبي رحمه الله و تغمد روجه الجنة و غفر الله له و تجاوز عن سيئاته ، أذكر أنني وقفتُ على قبره أدعو : اللهم ليس لي عمل صالح أدعو به ، و إنني لأستحي و أنا أدعوك ، يا رب ليس لي رب سواك فأدعوه ، اللهم اغفر لأبي و ارحمه و تجاوز عن سيئاته ، اللهم إنك كتبتَ على نفسك الرحمة فارحمه ، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنه .
ما زلتُ أذكر جثمانه رحمه الله ممتد في الغرفة ، و المعزيين .
و يا لها من نفس سريعة الاغترار و النسيان ، غرها طول الأمل ، إنها تأثرات وقتية .
تأملتُ السابقين و كثرة تأليفهم و استفادتهم من أوقاتهم فعندهم " الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك " و لأننا ما عرفنا السيف و أثره ، و نعرف أكثر السكين في المطبخ و تقطيعه الدجاج أكثر من أثر السيف ، و لم يصدق فينا : من رأى أثر السيف فقد رأى أكثره . و المثل الأقرب لنا : الوقت كالساطور إن لم تقطعه قطع اللحم و هشم العظام .
ثم إن فاق الإنسان و أراد الاستفادة من الوقت و المحافظة عليه ، و همته تدعوه لصرف بعضه في طاعة ، دخلت عليه النفس من مدخل همته ، فجاءت إليه ، بمئة عمل صالح ، من قراءة قرآن و حفظه و قراءة التفسير و التوحيد و الفقه و الحديث ، و زيارة أقارب و صلة رحم ، و نهي عن المنكر و أمر بالمعروف ، و تربية الأبناء و مناصحة الإخوان و الجيران ، و أشعلت فيه الغيرة على محارم الله ، و زرعت فيه حب الصدقة و الصوم ، و كثرة الصلاة و قيام الليل ، و الدعاء و أهمية الأذكار في الصباح و المساء ، و سماع الأشرطة النافعة و نشرها ، و قالت : عليك بالبحث في كتب العقيدة الواسطية و التدمرية ، و قوِّم لسانك و تعلم اللغة و النحو و الصرف ؛ فإنها معينة على البيان و إيصال الحق لمن تريد ، و احفظ الأشعار و الحكم و الأمثال . و حثته على مطالعة أصول الفقه و تخريج الأحاديث و زينت له الدخول في الجرح و التعديل ، و معرفة الرجال و عظمت نفسه لنفسه حتى يخرج من كل هذه الأفكار ـ لمجرد التفكير ـ أنه أصبح من أولياء الله الصالحين ، و صار من ليلته إن أقسم على الله لأبره ، أو أنه ينظر لكثرة هذه الأبواب فيقع في تشتت الهمة و انبهار الذهن ، فيقول : ما عساني أصنع مع كل هذا ؟! أو إن سعَ في بعض شيء من خير ، خلقتْ له التضارب بين الأعمال الصالحة ، فإن أراد زيارة الأقارب ، زينت له قراءة القرآن ، و إن أراد التصدق ، أبانت له فضل الإنفاق على الأبناء ، و إن أراد برَّ والديه أظهرت له أهمية الانتهاء من مهام عمله و قالت : العمل أمانة ..فيخرج من كل هذا بـ [ العالم الفلاني أخطأ و المسألة الفلانية فيها خمسة عشر قولا و يقاتل عليها و يُرجح و يقول : كلٌّ يؤخذ من كلامه و يُرد ]
خاتمة الوقفة الثالثة : نسدد و نقارب و العمل منوط بهمة و الباعث النية و الجوارح تصدق أو تكذب .